صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4879 | الجمعة 15 يناير 2016م الموافق 05 محرم 1446هـ

مغادرة «الشاه» وطائرة «الثورة»

الكاتب: محمد عبدالله محمد - Mohd.Abdulla@alwasatnews.com

كثيرون يتذكرون هذا التاريخ: السادس عشر من شهر يناير/ كانون الثاني سنة 1979. ففي مثل هذا اليوم غادر الشاه محمد رضا بهلوي أرض بلاده بعد اشتداد المظاهرات ضد حكمه. ولِشِدَّة الحدث السياسي، لم يلتفت سوى القليل من الإيرانيين حينها للزلزال الذي ضرب إقليم خراسان (على الحدود الإيرانية الأفغانية التركمانية) في ذات اليوم، والذي بلغت شدته 7 على مقياس ريختر.

بل إن الإيرانيين شغلهم وضعهم الداخلي الثوري في شوارع المدن الكبرى (حينها) حتى عن الالتفات للزلزال الأشد، الذي وقع قبل ذلك بأربعة أشهر (16 سبتمبر/ أيلول 1978) والذي خلّف خمسة عشر ألف قتيل، بعد أن سوَّى مدينة طَبَس الإيرانية وجوارها بالأرض.

الحقيقة، أن الحديث عن مغادرة «الشاه» ومجيء «الخميني»، وتثبيته حكماً سياسياً جديداً كُتِبَ حوله وفيه الكثير. بل وكُتِبَ عن تاريخ ذلك التحوُّل السياسي والاقتصادي والاجتماعي لمجتمع الدولة والناس، لكن بَقِيَ هناك ما هو أهم من ذلك وهو صيغة الدولة «المتحوّلة» في إيران.

بمعنى أدق، النتيجة (وهي الدولة) التي أفضت بها مراحل الثورة، وما هي السرعة التي استُهلِكَت في سبيل تحقيق ذلك. الحقيقة، أن هذا الأمر جِدُّ مهم، ويحتاج إلى نقاش مستفيض، بالنظر إلى الوقائع على الأرض.

المشكلة الأساسية التي لاحقت وضع الدولة في إيران منذ انتصار الثورة في العام 1979م ولغاية اليوم، هي أنها غير قادرة (وبتفاوت) على الفصل بين عِدَّة مسارات باتت كالخيوط المتشابكة في كومة قش: الدِّين والقومية والمصالح. حيث لا تعلم (أي إيران) بأيِّهما تبدأ وإلى أين وأيهما الأولى من الآخر. وما زاد الأمر تعقيداً هو أنه وعند كل مسار يُوجد هناك حُراس يمثلون لوبياً يدفع به حثيثاً.

ما يزيد الأمر تعقيداً أن هذه الزوايا الثلاث غير منتظمة في مؤسسات الدولة بالضرورة. نعم، هناك مؤسسات قائمة، بداءً من المرشد الأعلى ومروراً بمجلس الخبراء ومَجْمَع التشخيص فأمناء الدستور فالسلطات الثلاث، والأجهزة العسكرية والأمنية إلاّ أنها ليست أجهزة مُحتَكِرة للقرار.

فعلى سبيل المثال، وعلى الرغم من مركزية منصب المرشد إلاَّ أنه لا يستطيع التصرُّف بالشأن الديني (حتى في الفضاء والمصالح والرؤية الدينية الخاصة بالدولة) وحتى السياسي في ظل وجود مراجع دين في مدينة قم، وهم يمارسون أدوار دينية لا تحدّها إيران ولا غيرها، وليست منسجمة بالضرورة مع سياساتها.

وهناك العديد من الشواهد التي حصلت مع المؤسسات التابعة له، والتي ما فَتِأت وهي تمدّ خيوط استرضاء مع المؤسسة الدينية في قم. وربما مَجمَع التقريب بين المذاهب كان ومايزال واحداً منها والتي لا مجال لذكر أمثلة على ذلك الآن، بالإضافة إلى المؤسسات الثقافية.

كذلك، فقد يكون هناك عضوٌ واحدٌ في مجلس الخبراء، بإمكانه أن يلعب دوراً أكبر من نصف المجلس، عبر امتداداته خارج مؤسسة الخبراء، ومن خلال علاقات متداخلة ومعقدة. وهو أمر حصل خلال مسيرة الثورة منذ بدايتها، سواء خلال فترة صراع بهشتي/ بني صدر أو خلال حوادث سياسية محددة تلت ذلك.

منصب رئاسة الجمهورية يخضع لذات التأثيرات. فلا يظنّ أحدٌ بأن الرئيس في إيران قادر أن يلعب دوراً (حتى ما دون المرشد) بسهولة، ودون تخطي ضغوط معينة. أمامنا تجربتان مهمتان وهما حقبة محمد خاتمي المعتدلة (1997 - 2005) ومحمود أحمدي نجاد المحافظة (2005 - 2013).

خلال فترة خاتمي (وعلى الرغم من الملاحظات القاسية على حكمه) كانت الضغوط مزدوجة: من التيار المحافظ (وهي معروفة) والثانية من المؤسسسات غير المُدوَّنة على أنها مؤسسة نظامية، لكنها تلعب دوراً مهماً، سواء الحوزة الدينية أو الجهات التي لا تخضع لنظام السلطة التقليدية.

أما أحمدي نجاد (الذي حرَّض الجميع ضده بسبب سياساته الإقصائية) فقد تولت محاربته ذات القوى (بالإضافة إلى الإصلاحيين وإنْ كانوا ضعفاء أمامه) وبالتحديد خلال فترته الثانية، حتى أخرِجَ من السلطة وهو لا يلوي على شيء، مع تقطيعهم لكافة أوصاله الحزبية والفكرية التي أوجدها في الدولة.

حتى على المستوى الخارجي، لم تعد وزارة الخارجية الإيرانية ولا المتحدث باسمها الجهة الوحيدة لإبداء مواقف الحكومة الإيرانية، بل ترى أحداً هنا، أو هناك يخرج ليتحدث عن موقف إيران بكل بساطة وكأنه وزير للخارجية أو رئيس للجمهورية.

ليس تلك المؤسسات فقط، بل حتى تلك التي من المفترض أن تحتكر القوة المادية كالجيش والشرطة، باتت تعاني من ذات الأمر. نتحدث عن قوة شرطية لا تستطيع قوى الأمن الداخلي أن تُخضعها تحت عباءتها أو تُلجمها.

فهل تستطيع الشرطة أن تمنع شخصاً ينتمي إلى الباسيج أو إلى جماعات مشابهة؟! هذا مُحال. وقد أظهرت التجربة طيلة ثلاثين عاماً أن ذلك لم يحدث.

في الختام، فإن هذه «الدولة الموازية» هي عدو لاستقرار إيران السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ولاستقرار علاقاتها الخارجية، وبالتالي وَجَبَ حسم هذا الأمر وإلاَّ فإن كل شيء مُعرَّض للاهتزاز هناك، ما دامت طائرة الثورة لم تنزل على مدرج الدولة بعد.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1068664.html