صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4911 | الثلثاء 16 فبراير 2016م الموافق 10 جمادى الأولى 1444هـ

أبناء الأكارم والأصول!

الكاتب: قاسم حسين - Kassim.Hussain@alwasatnews.com

من الأخبار التي استوقفت العين أمس، خبر إدانة طبيبة كويتية والحكم عليها بـ3 سنوات و6 أشهر، ودفع مبلغ 5001 دينار، في قضية تعذيب وضرب «خادمتها» من الجنسية المدغشقرية بجسمٍ صلب.

لا ندري ما هو كنه هذا الجسم الصلب، حيث لم تذكر الصحيفة هذا التفصيل... لكنّي تخيّلته أحد محتويات الصالة أو المطبخ: مطفأة سجائر أو كوباً أو مزهريةً أو زجاجة بيبسي أو غلاية شاي، ما تسبّب لها بعاهة مستدامة، بفقدها البصر في عينها اليسرى.

الطبيبة كانت تعذّب هذه المرأة الأجيرة يومياً وبشكل مستمر، وتبيّن لسلطات التحقيق أن للمتهمة سوابق في قضية تعذيب «خادمة» أخرى، ما يدلّ على نفسيةٍ ساديةٍ مريضة، تتلذّذ بتعذيب الآخرين. وقال محامي الضحية: إن القانون «جرّم الرق والاستعباد ومعاملة الخادمة بمبدأ السيد والعبد، وهذا من مظاهر الرجعية البائدة التي جرّمها المشرع الكويتي».

أما الضحية فقالت إنها تركت بلادها وجاءت لـ «بلد الخير والإنسانية؛ هرباً من الفقر والعوز في بلادها»، لكنها لم تتوقّع أن يكون مصيرها الحجز والتعذيب اليومي وفقدان البصر. ورغم تعاسة هذه المرأة البائسة، إلا أن من حسن الحظ أن القضاء أنصفها وحكم على الجانية بالسجن والغرامة المالية، مع أن كل أموال الدنيا لن تعوّضها عن عينها المطفأة. وستظل هذه العاهة لصيقةً بذاكرتها في كل خطوة تخطوها، وفي كل مرحلة من حياتها، تؤثر على نفسيتها وتستعيد ذكراها السيئة إلى الأبد... حتى تنزل إلى القبر.

لا يهم أن نعرف اسم هذه المرأة، أو نسأل عن جنسيتها أو دينها أو مذهبها لنتعاطف معها، يكفي أنها إنسانةٌ مثلنا، ويكفي أن نتخيّل صورتها، امرأةً سمراء، بعين واحدة، ووجه مليء بالكدمات والتجاعيد التي حفرها الألم جراء أشهرٍ من المعاناة. فبسبب الروح العنصرية التي تتلبّسنا؛ عادةً ما نبدأ بالسؤال عند كل حدث أو واقعة: من أين فلان؟ فإذا كان من جماعتنا ملنا له بقلوبنا، وإذا كان من الأقوام الأخرى أخرجناه من دائرة تعاطفنا.

قبل يومين، تلقيّت فيديو قصيراًً جداً (مدته دقيقة وعشر ثوانٍ)، أعجبني لما يحمله من رسالة إنسانية جميلة جداً، من إنتاج «هيئة حقوق الإنسان» السعودية. يبدأ الفيديو بصورةٍ لحقول القرية حيث تعمل النسوة. ثم تنتقل الكاميرا إلى البيوت الخشبية، وهي شبيهة بالبيوت والعشش التي كان يعيش فيها أجدادنا في الخليج، قبل اكتشاف النفط. مجرد كوخٍ بين مزارع، تقف أمامه العائلة الإندونيسية لحظة الوداع المريرة. يجرّ الأب طفله المتعلق بأمه من الخلف، بينما تتعلق بها طفلتها من الأمام، ودموعها تسحّ على خدها في حسرة. كيف كنا سنشعر لو كانت هذه الأم أختنا أو أمّنا أو زوجتنا أو إحدى قريباتنا، اضطرتها ظروف الفقر للهجرة طلباً لإعالة عائلتها وإنقاذها من غائلة الجوع؟

تتحرّك السيارة بالأم، الأب ممسكٌ بطفله، بينما تفلت الطفلة يدها منه وتجري وراء السيارة، حيث تنظر الأم بلوعةٍ من زجاجها الخلفي دون أن تلحق بها، فتناديها يائسةً بصوتٍ عالٍ: ماما.

تصل المرأة في اللقطة التالية إلى السكن الجديد، فيلا كبيرة فخمة أو قصر، وهي تحمل حقيبة صغيرة وكيساً يحتوي متاعها القليل. يُفتح لها باب القصر، وتستقبلها سيدة المنزل وطفلتها متمسكة بها، فتبادر باحتضان المرأة القادمة. طبعاً ليست هذه طريقة الاستقبال الأكثر شيوعاً، فبعضهم يستقبلها بالنظرات الشزراء أو بالضحكات الساخرة من اللحظة الأولى، ما يزرع في نفوسهن بذور الحقد على هذه الأقوام المترفة التي لا تجيد أبسط قواعد السلوك والتعامل الإنساني.

الفيلم القصير جداً يُختم بوصية الرسول الأعظم (ص) الذي نسيناه وأضعنا سنّته «من كان أخوه تحت يده فليُطعمه مما يأكل، وليُلبسه مما يلبس، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم، فإن كلّفتموهم فأعينوهم». صدقتَ وبلّغتَ يا رسول الله.

ترى من منا يطبّق مثل هذه التعاليم الإنسانية البسيطة الواضحة الناصعة... في بيته وأسرته؟


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1080478.html