صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4939 | الثلثاء 15 مارس 2016م الموافق 11 محرم 1446هـ

مذكرات مسافر في إجازة بمصر المحروسة: فلسفة الإجازة وحكمتها (1)

الكاتب: محمد نعمان جلال - comments@alwasatnews.com

الإجازة عادة تجديد للنشاط، وراحة من العناء في الحياة، وفرصة للتأمل والتواصل والتفكير، لقد كانت إجازة صاحبنا هذه صورة مجسدة لهذه المقولة، أو لمجموعة من المقولات، إن الإنسان خلقه الله للعمل، وإن العمل عبادة، وإن الدعاء هو مخ العبادة، وإن المرء حيوان ناطق، وإن الإنسان حيوان مفكر، وإن العمل سر التقدم والرزق، ولذلك ورد في الحديث الشريف «لو أنكم توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً». هذا حديث صحيح حسن الإسناد. تلك كانت إجازة صاحبنا أو بالأحرى زيارة صاحبنا لمدينة القاهرة، أو كما يقال عنها قاهرة المعز نسبة للمعز لدين الله الخليفة الفاطمي، الذي أسس الدولة الفاطمية في مصر المحروسة بإذن الله، أو إلى مصر قلعة العروبة والإسلام، وحاضرة العالم التي قال عنها عبدالرحمن بن خلدون عندما زارها، وانبهر بها مقارنة بالمدن الأخرى التي عاش بها أو زارها، ولذا أطلق عليها التعبير الجميل «إن مصر أم الدنيا» وصارت مثلاً من ذلك الحين يردده الكثير وأحيانا كثيرة لا يعرفون تاريخ المصطلح وأضاف إليها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي «مصر أم الدنيا وقد الدنيا» بمعنى أنها كبيرة مثل الدنيا، وربما قصد بذلك أن بها من المتناقضات، ومن الأعاجيب ومن التحديات ومن الطموحات، ومن الخيرات ومن الفقراء والمحتاجين أكثر وكذلك من الأغنياء الكثير، وهو ربما ما يملأ الدنيا كافة الأمور السلبية والإيجابية، وينظر الإنسان للدنيا بأنها دار ممر بينما الآخرة كما قيل دار مقر.

ومما ورد في الأثر اللهم أحييني فقيراً وأمتني فقيراً، واحشرني في زمرة الفقراء، وينبغي أن نقول إن الفقر ليس هو قلة المال؛ بل هو الفقر الروحي إذا جاء الإنسان بأعمال من الذنوب كثيرة ومن الحسنات قليلة فهو الفقير حقاً من وجهة نظر الإسلام وخاصة الصوفية. والفقر المادي هو مسألة نسبية أيضاً ولذا قال الله تعالي: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ « (فاطر: 15).

الإنسان حيوان ناطق وحيوان عاقل وحيوان عامل وحيوان عابد. تلك هي صفات أربع من صفات الإنسان الذي خلقه الله، ووردت هذه الصفات بصياغات عديدة في القرآن الكريم، كما وردت في الآثار والأقاويل المنسوبة للعلماء عبر العصور فهناك مقولة «تكلم حتى أعرفك»، ومقولة «آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه»، وهناك مقولة «إذا لم يحضر الجبل لمحمد فليذهب محمد إلى الجبل»، وهذه كلها من أمهات الحكم التي وردت في كتب التراث الذي هو مرجعية لكل الأجيال، التي ترغب أن تستفيد من تاريخها وحضارتها وثقافتها وإنجازاتها وكبواتها، ولهذا قيل «لكل عالم هفوة»، و «لكل جواد كبوة»، فالإنسان والحيوان من مخلوقات الله، ولديهما قدرات عجيبة وإبداعات رائعة، والله سبحانه وتعالى أطلق على نفسه بديع السموات والأرض، أي أنه أحسن صنعهما وخلقهما، لكي يحض الإنسان على العمل والإبداع، ولكي يمنعه من الخمول والجمود والكسل أو التكاسل، لقد حصل صاحبنا هذا على إجازة للراحة، أو بالأحرى إجازة للعمل الحر المبدع الذي يشعر فيه بذاته وبكيانه، حيث يعمل ليلاً ونهاراً لهدف نبيل وغاية نبيلة هي العمل والإنجاز والتفاعل مع خلق الله وخدمتهم بمنطق خاص، هو منطق العلم وتقديمه لمن يحتاجه من البشر، ولذا فهو بمثابة ضريبة عليه أن يدفعها على الأقل لمواطنيه بحب عميق وإحساس كبير بالمسئولية، فضلاً عن أن يدفعها أيضاً لأي من البشر؛ لأن العلم الذي اكتسبه بفضل الله الذي خلق البشر جميعاً، ولم يفرق بينهم؛ بل إنه جعل الاختلاف بينهم سنة من سنن الحياة والخلق، بهدف التعارف والتعاون والتكامل فيما بينهم. إن صاحبنا الذي نقدم مذكراته لسبعة أيام من الإجازة الفريدة في نوعها، والتي كان اليوم الأول منها حالة روحانية حيث زار مسجد الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما وعليهما السلام في قاهرة المعز وقرأ الفاتحة، والحسين ومسجده ليس مثل الأفراد العاديين أو المساجد العادية الكثيرة في مصر المحروسة، إن به روحانية خاصة، وكان صاحبنا يذهب إليه عندما كان طالباً في الجامعة، ويصلي فيه ويستذكر أحياناً أصعب الدروس فيأتيه الإلهام والفهم من الله لما استغلق عليه، كما تأتيه الراحة النفسية من أي عناء، واستذكر صاحبنا الأيام الخوالي عندما اقترح عليه أحد الأقارب الذهاب لمسجد سيدنا الحسين وحضور جلسة من جلسات الذكر لإحدى الطرق الصوفية التي كان يحبها كثيراً في شبابه، وهي منتشرة في مصر المحروسة، وبالفعل ذهبا معاً وعاشا لحظات من الذكر الصوفي المعروف في مصر بحالة من الروحانية معروفة لدى أصحابها، ولذا قال صوفي مشهور مقولة جادة: «من ذاق شراب القوم لا ينساه أبداً. وقال آخر:

من ذاق طعم شراب القوم يدريه

ومن دراه بالروح يفديه

يتبع...


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1090987.html