صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4939 | الثلثاء 15 مارس 2016م الموافق 19 ذي القعدة 1444هـ

التعليم العالي وضعف المنتج

الكاتب: منى عباس فضل - comments@alwasatnews.com

في مقابلته التي أجرتها صحيفة «الوسط» قبل أيام، لم يبتعد الأمين العام لمجلس التعليم العالي رياض حمزة عن حقيقة الواقع المختل ونواقصه في تقيّيمه لواقع التعليم العالي ومخرجاته، وإن بدت قراءته مواربة في تشخيص ونقد بعض الإشكاليات، إلا إنها قراءة دقيقة في مضمونها وتطابقها مع نتائج دراسات وتقارير عديدة. كما إن أهمية ما تناولته المقابلة، يكمن في قضايا التعليم ومخرجاته والبحث العلمي، كونها تمثل مرتكزاً من المرتكزات الأساسية في تنمية المجتمع وتطوره، ومنه تقف هذه المقالة عند حدود ثلاث إشكاليات مهمة.

معضلة البحث العلمي

أولها يتعلق بنسبة الـ»3 %» التي يفترض أن تنفقها مؤسسات التعليم العالي على البحث العلمي من موازنتها السنوية، كي تحقق الأولويات الوطنية وقضايا الابتكار والإبداع وريادة الأعمال، ومما قد تزيد من إنتاجها العلمي، وترفع من نسب النشر في المجلات العلمية المعروفة عالمياً، وعقد المؤتمرات والندوات العلمية ذات الأثر التطبيقي، فضلاً عن إيفاد أعضاء هيئة التدريس والطلبة المسجلين في برامج الدراسات العليا فيها لمثل تلك المؤتمرات والندوات.

في هذا الصدد، تم التنويه بأن التقارير المالية والحسابات الختامية التي تقدّمها مؤسسات التعليم العالي للأمانة العامة تشير حتى 2014، إلى أن «غالبية البحث العلمي يتم إجراؤه من خلال جامعات حكومية وإقليمية تنفق قرابة 95 % من إجمالي إنفاق مؤسسات التعليم العالي في البحرين على البحث العلمي»، بيد أن رصد الأمانة العامة لهذا الجانب، كشف أن بعض الجامعات لا تنفق النسبة المحددة - أي 3 % - في قضايا البحث العلمي»، أو قد تنفقها في مجالات يصعب معها قياس الأثر الإيجابي الذي من أجله شرّع المجلس إنفاق تلك النسبة، خصوصاً وإن بعض الجامعات تدرج إنفاقها على الخدمات والتدريس والبنى التحتية ضمن الإنفاق على البحث العلمي. وبالطبع فإن هذا الإجراء حسب رياض حمزة ليس صحيحاً على الإطلاق، وهو برأيه مؤشر يحتم على هذه المؤسسات النهوض بمسئولياتها تجاه تقدم البحرين في قضايا البحث العلمي، وأن تتخذ دورها في تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للبحث العلمي. ماذا يعني هذا؟

يعني إننا ومنذ قرار إغلاق مركز البحرين للدراسات والبحوث عام 2010 والحالة التي صارت عليها العملية البحثية في مؤسسات التعليم العالي، نفتقر إلى ممارسة بحثية متخصصة تعنى بالإنتاج البحثي العلمي الوظيفي والأكاديمي المحكم، ولهذا أسباب عديدة لا تنحصر فيما نستنبطه من المقابلة، إنما في غياب الرؤية التطويرية التي تشتغل في الإطار العملي للعملية التنموية، فضلاً عن التصحر الفكري وفقدان روح التجديد والتمرد على القوالب والمحددات البحثية الجامدة والطرح الجدلي؛ بسبب تقلص مساحة حرية الرأي والتعبير، فالعملية البحثية الفعلية، وأياً كان موقعها، أصبحت محكمة بضوابط وقيود صارمة، فاقدة للأفق المفتوح المليء بالأسئلة في ظل انحصار هاجس الباحث أو مؤسسته في كسب رضا صاحب القرار المعرفي ومتطلباته.

في هذا الصدد يشير المفكر التربوي نخلة وهبة في كتابه «رعب السؤال وأزمة الفكر التربوي»، إلى أن «المشكلة ليست في غياب الفكر البحثي غياباً مرحلياً أو مؤقتاً، بل وبشكل أساسي، في عقم البيئة التي يفترض أن تنتج مثل هذا الفكر، وفي تحويلها الفضول والأسئلة في معظم المؤسسات الأكاديمية إلى تنظيمات وقواعد مكبّلة، وإلى أجواء ملبّدة بمنظومات لا تنتهي من النواهي والأوامر والضوابط والحدود والقوالب والقنوات المقفلة التي تقضي على شهية السؤال، وهذا بالطبع ينتج ضمور التساؤلات وغيابها..». (انظر ص92). وعليه يجوز طرح السؤال: هل تتقلص وتنتهي معضلة مؤسسات التعليم العالي مع البحث العلمي بإنفاق نسبة الـ3 %؟ أم إن المشكلة أكبر وأكثر اتساعاً من مسألة الإنفاق على رغم أهميته؟

ضعف الممارسات الأكاديمية

النقطة الثانية، يفترض أن تنفق مؤسسات التعليم العالي نسبة 2 % من صافي إيراداتها للصرف على التنمية المهنية لأعضاء هيئة التدريس، فهل يحدث ذلك فعلياً؟ ضمنياً وحسب فهمنا المتواضع للمقابلة المطولة، فإن الإجابة هي: «لا»، لماذا؟ لأنه ومن رصد الأمانة العامة لبعض تلك المؤسسات، تبين «أن أوجه إنفاقها يتخذ مجالات لا يمكن تصنيفها ضمن المجالات التي تؤدي إلى تنمية عضو الهيئة التدريسية، والمتبعة ضمن أفضل الممارسات العالمية، إضافةً إلى أنها لا تغطّي حتى الآن الإداريين العاملين في مؤسسات التعليم العالي»، وهذا أمرٌ بالطبع معيقٌ لتطور أي عملية تعليمية.

في حقيقة الأمر، المسألة ليست جديدةً، فهي تتكرر في تحليلات المفكرين والباحثين، وفي نتائج الدراسات والتقارير، فأستاذ علم الاجتماع محمد الرميحي يشير وهو يستشرف واقع التعليم في الخليج العربي للعام 2025، قائلاً بأن «هناك تدني في جودة وكفاءة التعليم، وضعف للتقاليد الأكاديمية، وضعف المشاركة المجتمعية من حيث الإشراف والتخطيط والرقابة والمحاسبة على العملية التعليمية من أجل تجويدها». وهذا الأمر برأيه «ولد صورةً سلبيةً لواقع العملية التعليمية في دول الخليج العربي، كما إن العديد من السلبيات أدت إلى تردي التعليم العالي عامة، وإلى تخلفه على مستوى المقارنة العالمية بين المنتج هنا والمنتج في عواصم العالم المتقدم، وعجز عن استثمار رأس المال لتوظيفه في التنافس الدولي في ظل التوجه المتزايد نحو العولمة واقتصاد المعرفة».

إذاً، فهي علّةٌ خليجيةٌ عربيةٌ مزمنةٌ، وهي بحاجةٍ إلى تنفيذ فعلي للاستراتيجيات الوطنية التي وضعتها الدول على الورق للإرتقاء بالتعليم والتعلم، ومواجهة التحديات التي تتمثل في ضعف ربط التعليم بتنمية المجتمع.

قصور مخرجات التعليم

أما المعضلة الثالثة، فتتعلق بما أظهرته نتائج المسح الوطني العام 2015، للتعرف على الحجم الحقيقي للفجوة بين مهارات الخريجين ومتطلبات سوق العمل في البحرين، إذ تبين أن هناك قصوراً لدى الخريجين في بعض المهارات المطلوبة وظيفياً «كحلّ المشكلات والتفكير الناقد ومهارات التواصل والعمل الجماعي وغيرها»، الأمر الذي انبثقت منه عدة مبادرات، كمبادرة الارتقاء الأكاديمي في القطاع الصحي والمالي وتقنية المعلومات والاتصال والبحوث عامةً؛ ومبادرة العمل على صقل الطلبة بمهارات التوظيف ما قبل تخرجهم، وتطوير المناهج الدراسية وتمهين أعضاء الهيئة التدريسية وبرامج التدريب الميداني للطلبة.. إلخ.

هذا الكلام سليم مئة بالمئة، وقد سبق أن أكدت عليه دراسات ومسوحات عديدة وحديثة، خصوصاً وأن التحديات التي تواجه مجتمعاتنا متشعبة، ليس أقلها تراجع العائدات النفطية والزيادة المطردة في أعداد الطلاب والنمو السكاني وارتفاع نسب العمالة الأجنبية مقارنةً بالمواطنين، فضلاً عن نمو المؤسسات التعليمية كمياً وبمستويات مختلفة من الجودة، والجميع يشكو من عدم ملائمة مناهجها وبرامجها التعليمية مع متطلبات سوق العمل. ولهذا لا غرابة إن تم توقيف ما يقارب 120 برنامجاً خلال السبع سنوات الأخيرة حسب المقابلة، فالتعليم لا يزال دون المستوى.

وهنا يقترح الرميحي في دراسته «الاستفادة من بروز أشكال حديثة في التعليم كالتعليم عن بُعد، وزيادة الإقبال على تعلم اللغة الإنجليزية باعتبارها لغة العلم في العصر الحديث، واللغة المشتركة والأكثر انتشاراً بين الشعوب، وتنويع مواد التدريس مثل القراءة والكتابة والاستماع والقواعد، والقيام بالدراسات والأبحاث المتخصصة في تطوير المناهج، بهدف رفع كفاءة مستوى التعليم، والأهم أن لا يكتمل تخرج الطلاب إلا بعد تخرجهم وقضاء فترة زمنية في التدريب العملي المباشر...».

ختاماً، نعيد ونكرّر كما غيرنا، ذات التوصيات لعل وعسى، فما يكتب على الورق رائع، أما ما يطبّق فإنه يعاني من قصور واختلالات، يتطلب تجاوزها إرادةً ويقيناً بعملية التغيير التي تنشد تطوير الإنسان بما يمثله من ثروة حقيقية للوطن.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1090992.html