صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4970 | الجمعة 15 أبريل 2016م الموافق 16 شعبان 1445هـ

تصدير النفايات واستيراد المعونات

الكاتب: نجيب صعب - comments@alwasatnews.com

تصدير لبنان نفاياته لا يتناقض فقط مع أبسط المبادئ البيئية والأخلاقية، بل أيضاً مع اتجاه حكومات المنطقة نحو ترشيد الإنفاق والكفاءة.

ففي حين يصدّر بلد على شفير الإفلاس نفاياته بكلفة مرتفعة، يطلب أمير الكويت تخفيض مخصصات الديوان الأميري وترشيد الإنفاق، وتتجه موازنات سنة 2016 للدول العربية المصدّرة للنفط نحو تحفيز الكفاءة ووقف الهدر وتنويع الاقتصاد.

فبأي حق يمكن لبلد يدفع مئات الملايين لتصدير نفاياته، أن يطالب دولاً خفّضت موازناتها؛ بسبب شحّ الموارد، بمساعدته لسد العجز وإيفاء الديون؟ أم أن تصدير النفايات بات يُعتبر تنويعاً للاقتصاد؟

الانهيار المريع لمنظومة النفايات في لبنان كان نتيجة حتمية لمعالجة المسألة عن طريق برامج طوارئ متتالية خلال 20 عاماً، في غياب خطة وطنية متكاملة لإدارة النفايات. صحيح أن شوارع بيروت كانت من الأنظف في المنطقة خلال العقدين الأخيرين، لكن مراكز الفرز والمعالجة والطمر التي تم إنشاؤها لبيروت وضواحيها، لم تعد تستوعب الكميات المتزايدة من النفايات، ولم يتم توسيعها وتحديثها. كما لم يتم اعتماد أي تدابير لتخفيف كمية النفايات.

النفايات الصلبة التي تنتجها بيروت وضواحيها تبلغ 3500 طن يومياً، يمكن استخراج حتى 700 طن منها للتدوير. لكن بسبب ضيق المساحة، لم تتجاوز هذه الكمية 250 طناً. كما لم تتجاوز كمية النفايات العضوية التي يتم تسبيخها لإنتاج محسّن للتربة (كومبوست) 300 طن، بينما كان يمكن أن تصل الى 1750 طناً؛ وذلك بسبب ضيق المساحات المخصصة أيضاً. وهكذا تم ارسال 3000 طن يومياً إلى المطمر، بينما كان يمكن حصر الكمية بـ1000 طن، وبذلك تتضاعف قدرته الاستيعابية 3 مرات.

خلال كل هذه السنين تجاهلت الحكومات المتعاقبة اتخاذ التدابير الكفيلة لتخفيف كمية النفايات من المصدر. فلم يتم فرض سعر على العبوات البلاستيكية والزجاجية مع برامج لاسترجاعها، ولم توضع شروط للتحول إلى مواد بلاستيكية قابلة لإعادة الاستعمال والتدوير، كما لم يتم تنفيذ أي برامج لفرز النفايات من المصدر، خاصة الزجاج والمعادن والورق والفضلات ذات المحتويات الكيميائية. وبقية أكياس البلاستيك للتبضع مجانية؛ ما ضاعف استخدامها. والمعلوم أن العبوات والأكياس البلاستيكية تشكل نحو 20 في المئة من حجم النفايات في لبنان، وهي صعبة المعالجة. وقطع الزجاج والبقايا الكيميائية تجعل من «الكومبوست» الناتج من الفضلات العضوية غير صالح للاستخدام في الأراضي الزراعية.

في مواجهة التقصير الرسمي، عمدت جهات دولية، في طليعتها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والاتحاد الأوروبي، إلى تمويل برامج متفرقة لمعالجة النفايات على المستوى المحلي في المناطق الريفية، وذلك عن طريق الجمعيات الأهلية. لكن هذه المبادرات، رغم عشرات الملايين التي صرفت عليها، بقيت قاصرة عن إيجاد حل عملي قابل للاستمرار. فإدارة الخدمات العامة لا بد أن تكون في إشراف السلطات الرسمية.

كان المطلوب إنشاء مراكز لمعالجة النفايات في جميع المناطق اللبنانية، لا تقتصر على الطمر، بل تتضمن الفرز والمعالجة، وصولاً إلى طمر الكمية القليلة المتبقية من المخلفات أو حرقها لإنتاج الطاقة، وفق نوعية النفايات وكميتها والوضع الخاص لكل منطقة. ولكن حين انفجرت الأزمة نتيجة للتقصير المتمادي، تم طرح إنشاء مطامر للنفايات في أماكن تبعد مئات الكيلومترات عن بيروت كحل موقت. وكانت سبقت هذا حملة على المطمر الحالي قرب بيروت، وصفته بمصدر للأمراض والحشرات، بينما هو في الواقع من أفضل مطامر النفايات في الشرق الأوسط، وينتج اليوم الكهرباء من غاز الميثان. مشكلته أنه تجاوز قدرته الاستيعابية.

تجاه الحملة المبرمجة التي اعتبرت المطامر مصدراً للأوبئة، كان من الطبيعي أن يرفض السكان إنشاء مطامر في مناطقهم. المشكلة كانت في اقتراح «مطامر» وليس «مراكز معالجة» للنفايات، بما فيها توسيع وتحديث المواقع الموجودة.

هذا التمهيد شكّل أرضية «الحل» الذي كان بعض المستفيدين يسعى إليه منذ زمن، وهو تصدير النفايات إلى بلدان أخرى، بكلفة مرتفعة. ومهما أعطيت هذه الفعلة من أوصاف، أبرزها «أبغض الحلال»، تبقى فعلة شنيعة. فلماذا يكون مسموحاً رمي نفايات يرفضها بشر في بلد معين، عند بشر في بلد آخر؟ ولماذا تم تخويف الناس بأن التصدير هو الحل الوحيد، لئلا تأكلهم النفايات أو يأكلونها؟ ولماذا لم تتم مصارحة الناس بأن تحضير النفايات للتصدير عملية أكثر تعقيداً وكلفة، عدا عن أنها تتطلب وقتاً أطول، من المعالجة المحلية؟ فحين يتم فرز النفايات وتغليفها، تنتفي الحاجة إلى التصدير.

وقد شابت هذا الملف مغالطات شتى، أبرزها الادعاء أن النفايات المنزلية لا تقع ضمن مندرجات اتفاقية بازل بشأن التحكم في نقل النفايات الخطرة عبر الحدود والتخلص منها، بينما هي تقع تحت الملحق رقم 2 من الاتفاقية. كما تم الاعلان عن أن الشركة المصدِّرة تتحمل وحدها مسئولية النفايات منذ وضعها على ظهر السفينة، بينما تنص القوانين الدولية صراحة على أن بلد المصدر يتحمل مسئولية النفايات المنقولة في أي مرحلة ولأي سبب كان. عدا عن أن التعامل مع هذا الملف بسرية تامة توخياً للسرعة، لا يبرره القول بأنه تم «كتم معلومات لتمرير العقود». فإذا كان قضاء الحاجات بالكتمان مقبولاً في الأمور الشخصية أو القطاع الخاص، فهو مرفوض كلياً في التعاطي مع الأموال العامة.

وصف بعضهم ملف النفايات في لبنان بأنه «كرة نار». لكن في داخل كرة النار هذه مئات الملايين من الدولارات، أكانت من جيوب المواطنين أو الإعانات. والحلول الأفضل والأرخص والأسرع كانت في المتناول، لو توافرت الإرادة.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1103006.html