صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4974 | الثلثاء 19 أبريل 2016م الموافق 21 ذي القعدة 1444هـ

من العراق إلى البرازيل... السلطة مفسدة

الكاتب: قاسم حسين - Kassim.Hussain@alwasatnews.com

تطرح تطورات الوضع السياسي الصاخب في العراق والبرازيل، كما في بلدان أخرى، إشكالية كبرى... كيف تفسد السلطة النخب الحاكمة الجديدة، حتى لو جاءت من خلفيات دينية أو نضالية أصيلة.

قديماً قال أحد المؤرخين الإنجليز: «السلطة مفسدة»، وهي قراءةٌ دقيقةٌ تؤكّدها تجارب الشعوب عبر القرون.

من السهل للمرء أن يكتب نظريات جميلة، أو شعارات مثالية، وهو بعيدٌ عن السلطة، لكن عندما يتعرّض للامتحان، وتتاح بين يديه الأموال العامة يتصرف فيها كما يشاء، فحينئذٍ يتبيّن صدقه ونبله.

الكثير الكثير من الصراعات، التي قرأنا عنها في التاريخ، أو التي نعاصرها، إنّما تدور حول المال. المال قوة، والمال نفوذ، وجاه وأبهة وسلطان. ومن يتحكم في المال يمكنه أن يتحكّم في الكثير من الناس ويذل الرقاب.

في التاريخ الإسلامي، لعب المال دوراً حاسماً في توجيه مساراته، منذ فجر الإسلام. تجربة الخلافة العادلة لم تستمر إلا أربعة عقود، انقلب بعدها الوضع إلى أَثَرَةٍ واستبداد، مع سيطرة الثورة المضادة، وأُخرجت الأمة من المعادلة، ليتحول شعار المرحلة: إنما السواد بستان قريش.

حتى قبل ذلك، كان هناك تياران فكريان في الساحة، تيار يميل للزهد في الدنيا، والدعوة للعدل والإنصاف والمساواة، وتيار «عملي» تغلب عليه أخلاق التجارة، وحسابات الربح والخسارة، والمغنم والمغرم. وكان النبي (ص) يعد أتباعه بجنةٍ عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.

بعد ربع قرن من رحيل المؤسس، تنقل كتب السيرة كيف تكوّنت ثروات ضخمة، من الأموال السائلة، والخيول والماشية التي تسدّ الأفق، والذهب الذي يكسر بالفؤوس ليوزّع بين الورثة بعد وفاة من جمعها. وكيف تنازع التياران الرئيسيان، في تأويل آيات القرآن حول حرية التصرف بالمال، حتى وقعت بينهم الحروب.

كانت امتحاناً كبيراً، نجح فيه بعض المسلمين وفشل آخرون. وهي سنة الله في عباده. لقد عوّل القرآن على تحكيم الضمير والتخويف من عذاب الآخرة، في مسألة العدل والإنصاف والتوزيع العادل للثروة، ولكن قليلٌ من يخاف الآخرة ويستمع إلى صوت الضمير.

أحد أخطر الأفكار المدمرة في تاريخ المسلمين، اعتبار المال العام لقطة، يمكنك أن تتصرف فيها كيف تشاء. فالخلفاء منذ بداية العصر الأموي حتى نهاية الإمبراطورية العثمانية، كانوا يتصرفون في المال كملك خاص لا يسألهم عنه أحد. وحين احتج أحدهم على منح أحد المقربين مالاً ضخماً، طرده الحاكم، فخرج باكياً وهو يقول: ظننت أني خازن لمال بيت المسلمين.

في السنوات الأخيرة، وتماشياً مع موجة «التبشير الإسلامي»، انتشرت مسلسلات تركية وعربية، سورية ومصرية خصوصاً، تمجّد فترات حكم الخلفاء والسلاطين. واكتشف الناس من خلالها جانباً من حياة الترف والبذخ، الذي كنا نقرأ عنه في كتب التاريخ، من قصص «ألف ليلة وليلة»، التي كانت تعكس أجواء بغداد في عصرها الذهبي. كانت غيضاً من فيض حكايات الجواري والقصور، وكيف كانت تنفق الآلاف من «مال بيت المسلمين»، على الشعراء المتملّقين التافهين، الذي أنتجوا كماً هائلاً من القصائد الفارغة، طمعاً في العطاء.

قليلٌ من الخلفاء عبر أربعة عشر قرناً، من شذّ عن هذه القاعدة، مثل عمر بن عبدالعزيز، الذي أعاد الأموال التي نهبها قومه، إلى بيت المال، وأمر عامله بأن ينادي عليها في السوق: هلموا لشراء متاع الظالمين.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1104680.html