صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4988 | الثلثاء 03 مايو 2016م الموافق 10 ربيع الاول 1445هـ

«دُدْهُو مِنْ دُدَهَهْ مِنْ طَقَّه»

الكاتب: يعقوب سيادي - comments@alwasatnews.com

هي لعبة شعبية لعبناها صغاراً، نشكل فيها دائرة بشرية بتشابك أيادينا، لنحيط بأجسادنا الصغيرة، واحداً منا معصوب العينين، نجعله في مركز الدائرة، ونتناوب عليه عشوائياً، بلمس جسده أو صفع رأسه برفق، أو ركله بما لا يؤلمه (إلا مَن كان منا مشاغباً ببعض العنف الطفولي)، فيرفع مُتَوَسِطُنا العصابة عن عينيه سريعاً، ليشير إلى أحدنا، تقديراً بما يظنّ أنه الفاعل، بالعلاقة بمكان وزمان أدائنا الجسدي، تواصلاً بجسده، عبر حركة من الذراع أو الرجل أو كيفما كانت.

وغالباً ما يخطئ من في الوسط، في تحديد ضاربه، وإلا خدعناه، بنكران صحة تخمينه وقراره، لنلهو ونلهو قدر المستطاع، قبل أن يَستبدل بأحدنا مكانه، مصيباً ومحقاً في تقديره، على الربط الزماني والمكاني، بين الفعل والفاعل، ليحل محله في الوسط، وهكذا نكرر ونعيد حوارنا الجسدي والذهني، إلى أن يزعل أحدنا أو نَمُلُّ ونتعب، وطوال الوقت نردد الإهزوجة الشعبية، «دُدْهُو مِنْ دُدَهَه مِنْ طَقَّه»، بمعنى أن نُخادِعَهُ ونُتَوِّهَهُ عن كشف الحقيقة، لغاية في نفس كل واحد منا.

وهكذا جرى القول في المثل الشعبي أيضاً «تَبِي تِسِوِّي، دُدْهُو مِنْ دُدَهَه مِنْ طَقَّه؟!» للرد على من يحاول التذاكي، لتشويه الحقيقة أو عجنها بمكره، لحاجةٍ في النفس، على خلاف ما ينفع الناس.

هكذا مارست أميركا والغرب وإسرائيل، بالتعاون مع دول عربية وإسلامية، ذات علاقة ومصلحة ظاهرة آنية، بالتوازي مع ما بطن، من مخططات ضدها آجلة، لعبة «دُدْهُو مِنْ دُدَهَهَ مِنْ طَقَّهَ»، ولكن ليست كَبَراءتنا الطفولية، بل بالخديعة والكذب والتبلي، باتهام سلطات دول عربية بعينها، دون دول أخرى أسوأ مما يصفون، فهَوَّلت في توصيف سلطاتها، في صورة النظام المستبد بكامل شعبه، أو في صورة النظام الطائفي الفج، أو كلاهما معاً، ومن ثم استكمالاً خصت بعضها بالاتهام، بحيازتها أسلحة الدمار الشامل، من الأسلحة النووية والجرثومية والكيمائية. ثم تركت الحبل زمناً على قارب المجدفين، من أولئك الطائفيين، والكارهين للغير، سواء من أنظمة الدول الرسمية، أو الأفراد الدينيين والمذهبيين والشوفينيين، وغَضَّت الطرف عن ترتيبات، سلطات دول ذات مصلحة، في إنشاء جيوش من المرتزقة، تحت غطاء الدين والمذهب، وأدخلتهم تحت أنظار العالم، إلى الحدود المشتركة، لدول حليفة لها ودول «العِداء»، أو إلى داخل حدود تلك الدول «العدوة»، مثل ليبيا والعراق وسورية، على وجه الخصوص، وغضّت الطرف أيضاً عن الزحف إلى دول الجوار، في محاولة لاختصار طريق التحطيم لكلا الفريقين، في حال ما تمت التدخلات الإقليمية المضادة، إلا أن الدول المعنية بتلك التدخلات المحتملة، كانت أذكى، أو ربما على علمٍ، بما كان وما زال يُخَطَط، للمنطقة العربية بكاملها، من المحيط الى الخليج.

ونتيجة لسياسة «دُدْهُو مِنْ دُدَهَهَ مِنْ طَقَّهَ» تلك، نجد بالتفاصيل اليومية المتكررة، ما بين خداع الغير والكذب على الذات، فيما جرى في ليبيا، من تحطيم مؤسسات الدولة، وتركها لمجهول الصراعات المسلحة، المتعددة الأطراف الداخلية والخارجية، وما جرى قبلها في العراق، من تدخل عسكري أميركي، أطاح بجيش أقوى الدول العربية المتماسكة، في مؤسسات دولتها، ونتيجة ذلك بما لا زال يجري من صراعات داخلية، بين المكونات العرقية والدينية والمذهبية، بما أحال العراق إلى ساحة للصراعات، الممولة سلاحاً ومالاً، من قبل دول إقليم الشرق الأوسط والخليج، العربية وغير العربية، بما أفاض ثرواته، وخاصة البترول الذي بيع بأبخس الأثمان، وهو أي البترول، السلاح الآخر المستخدم في تحطيم بعض الدول الأخرى، آنياً ومستقبلاً، كما سنرى بعد قليل، وناب مصر ما نابها إخضاع أيضاً.

وهكذا نرى اليوم، أن سياسة «دُدْهُو مِنْ دُدَهَهَ مِنْ طَقَّهَ»، تنجح من جديد، فيما يحدث في حلب من سورية، فكلا المتحاربين الأساسيين، الدولة السورية بجيشها النظامي، ضد التنظيمات العسكرية للأحزاب والجماعات المعارضة للنظام، وبغض النظر عمن يشارك في الأعمال العسكرية، من الدول والتنظيمات الأخرى، التي تحارب تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، في الدولة السورية والدول الأخرى، فلم تستنكر بعض الدول على حملة السلاح، ضد نظام الدولة، بما تستنكره وتدينه في دولها ودول أخرى، بل وتشارك في تمويل وتسليح تلك الجماعات، ونفترض بحسن النية، أن «داعش» ليست من بينهم.

العنف والإرهاب وحمل السلاح ضد الدولة، كلاً منها أو جميعها بشكل منظم، أمر محرم قانوناً، ويسقط الحراكات الشعبية تحت طائلة القوانين، ويزيد عليها شراسة الدولة، ويفقدها الدعم الأممي، من خلال مجلس حقوق الإنسان ومجلس الأمن الدولي، التابعين لهيئة الأمم المتحدة، الجهة الوحيدة المُخوّلة من خلال مجلس الأمن، بحمل السلاح والتكليف به، ضد الدول المستبدة بشعوبها.

فظيع منظر الأطفال المهشمة أجسادهم، وكذلك النساء وكبار السن، ممن لا ناقة لهم ولا جمل في الحرب، إلا أن كلا الفريقين المتحاربين، وأولئك ممن مع وممن ضد الحرب في حلب، يعلن براءته وجرم الآخر، في تلك الحالات من القتل الدنيء، الذي لا يقبله العقل السوي، وبتقديرنا أن جميع الأطراف المشاركة في تلك الحرب، وبجميع وسائلها، مسئولة عن كل تلك الجرائم، وبإمكان الجميع قتل بعضهم البعض، بعيداً عن التسبب في المآسي للآخرين.

إن ما يجري وتتبادله الجهات الإعلامية، والكتبة في وسائط الاتصالات، بالصراخ ضد طرف دون الآخر، إنّما هو جزء من سياسة «دُدْهُو مِنْ دُدَهَهَ مِنْ طَقَّهَ»، التي ستُضَيِّع العربي من الإنسان قبل البلدان، ولن تتوقف ما لم ينته الإنسان العربي، وأنظمة الدول العربية، إلى الرضوخ والاستسلام للرغبات الأميركية والأوروبية والإسرائيلية، ولن تنتهي تلك الممارسة، إلا من بعد إفقارها أيضاً، نتيجة خفض وليس انخفاض سعر النفط، كما يتوهم البعض، ونتيجة كُلَف الحروب بالوكالة، وصفقات السلاح البليونية.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1110129.html