صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4998 | الجمعة 13 مايو 2016م الموافق 14 رجب 1444هـ

دهنيم «لمس» الكلام... النظر

الكاتب: جعفر الجمري - jaffar.aljamri@alwasatnews.com

ثمة تجارب هنا لها من الخبرات والتجربة الكثير. لكن الاتكاء على تلك الخبرات والتجربة، دونما منجز تجاوزته بعد ذلك، هو شكل من أشكال الصنمية التي تعاني منها ساحات إبداعية عربية كثيرة، ولا استثناء في هذا الأمر. وثمة تجارب اكتسبت خبراتها وتجاربها من قدرتها على مثل ذلك التجاوز: تجاوز تجربتها بين منجز وآخر. والأسماء هنا كثيرة ومفرحة وتدعو إلى الإعجاب.

أحسب أن الشاعرة والكاتبة سوسن دهنيم واحدة من تلك الأسماء التي لن يجد المتابع لما أنجزت شيئاً من إعادة الإنتاج و «التدوير». وأقول التدوير، لأنه المعنى الحقيقي لما يحدث لبعض التجارب هنا وفي الساحات العربية. منذ «غائب ولكن»، بوابتها الأولى على العالم من حولها، مروراًبـ «قبلة في مهبِّ النسيان»، «وكان عرشه على الماء»، وصولاً إلى «لمس»، يتبدَّى ذلك الاجتهاد كما تتبدَّى المحاولة، تضمر في الثنايا أحياناً لكنها سرعان ما تستعيد حيويتها على مستوى اللغة والرؤيا، والتقاطها الملفت لثيمات ورمزية ما تشتغل عليه.

على مجافاة هي في نصوصها الأخيرة مع المباشرة المستفزة تلك التي تتعامل مع المتلقي باعتباره ساذجاً وقاصر مخيلة، ولديه عطب أو ضعف في جهاز استقباله للنص. في «لمس»، اللمسات ليست محض التقاء شيء بشيء، بقدر ما هي بعده، ما يتبرعم منه، وما يكون متجاوزاً لتلك المباشرة. «اللمسات لوحات مرسومة بالنبيذ، خذ منها ما استطعت، وهيّئ لما لم تستطع كأسك، لتمتلئ بالخرائط... وتتدرّب على التجربة».

لكل تجربة أنت على التصاق بها، مُذ بداياتها «بورتريه» يفرض جهة ومداخل تناوله. وتلك تجربة أزعم أنها كانت ضمن تجارب شابة كانت محط متابعة واهتمام يتيح مسافة للحكم عليها مع تراكم قراءتها والوقوف على تمايزها واجتراحها للمختلف والمغاير. ذلك الالتصاق لا يعني أن تداهن أو تتحفظ. أن تغلو أو أن تكون حاداً؛ بل أن تتعامل مع النص بشروط توافر استقبال له يزيح عامل تأثير القرب أو النأي عن صاحبها. هل ينجح الأمر دائماً؟ ليس شرطاً لكن المهم ألاَّ تجد خلاف ذلك هو النجاح.

تقرأ وجهاً من وجوه التجلّي بمنح اللغة قدرتها على نفخ الروح في الأشياء وتفاصيلها. الانشغال بتلك المواءمة المدهشة بين الأشياء وقدرتها على التصيير: «الكمنجة امرأة تبحث عن عازف واحد، يهبها نصيبها من التأله، فتهبه حصته من الجنون».

في «وكان عرشه على الماء» نقرأ: «خرج العاشق من لون الدمع، يبحث عن عاشقة، لا يخونه ماء ولا يشرق عليه يأس، أما كيف، فلا سؤال يأخذه، غير سؤال الريح، عن قلب الريح».

الشاعر في سفر دائم حتى وهو مقيم. يمنحه ذلك السفر القدرة على الترحال في المعنى، اللغة، الرؤيا، ترك خيول مخيلته تأخذ به تجاوزاً للريح والخاطف من المخلوقات. نقف ذلك على كثير من معاني تناولها ونظرها في «لا معنى للمسافر الذي يعود كمن لم يغادر»، مقال في «الوسط» بتاريخ 21 فبراير/ شباط 2015م: «لا درس أعمق من السفر. لا درس أقدر على أن يربي فينا التمسك بالجهات التي جئنا منها مثلما يفعل السفر. الحنين الذي نصاب به في ذلك الانتقال الذي يشبه تحرك الروح من مركزها، هو الذي يضاعف قيمة التفاصيل في أمكنتنا التي تركناها وراء ظهورنا لأكثر من سبب. ربما بسبب رفاهية منحناها لأنفسنا. ربما هرباً من جحيم لا نعرف اسمه، ولكن يكفي أن نضعه في ذلك التصنيف. ربما بحثاً عن ذواتنا القلقة والوجلة التي تحتاج في ظروف ما إلى أن تقسو على نفسها بشكل مضاعف بالنأي والابتعاد، كي نرى بشكل أكثر وضوحاً وصدقاً».

وبقدر ما يبدو هذا المقال توصيفاً، بقدر ما هو ضالع في الشعر، وعلى تماس به و«لمس» له.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1113989.html