صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5012 | الجمعة 27 مايو 2016م الموافق 18 ذي القعدة 1445هـ

البحث عن «السعادة»

الكاتب: منصور الجمري - editor@alwasatnews.com

في (8 فبراير/ شباط 2016)، أعلنت الإمارات تعيين وزير دولة يكون مسئولاً عن «السعادة»، بهدف مواءمة خطط الحكومة وبرامجها لتحقيق سعادة المجتمع، وربما أنَّ هذه الخطوة تأتي تطويراً لما طرحته مملكة بوتان منذ عقود لمفهومٍ وبرامج ووزارة لتحقيق «السعادة الوطنيَّة»، وذلك بالاعتماد على المبادئ البوذيَّة. كما أنَّ بوتان حقَّقت إنجازاً في هذا المجال عبر دفع الأمم المتحدة إلى تبني مؤشر للسعادة، وتحديد يوم للاحتفاء بالسعادة في (20 مارس/ آذار) من كل عام.

وفي (2014) أعلن رئيس الوزراء الهندي ناريندا مودي تعيين وزير لليوغا، ونجح أيضا في إقناع الأمم المتحدة لتبني يوم عالمي لليوغا في (21 يونيو/ حزيران) من كل عام.

البوتان والهند حددتا معاني دينية (بوذية وهندوسية) للسعادة، وكيفية تحقيقها، وهناك من يطرح أنَّ السعادة تتحقق عبر تنفيذ كلام الله بحسب ما ينقله لك شخص يتحدَّث نيابة عن الله، حتى لو كان ذلك يعني تفجير مسجد مملوء بالمصلين، فإنَّ سعادتك ستتحقق، وستلحق بالحور العين بعد ذلك، كل هذا يوضح التعقيدات في تحديد معنى السعادة.

ولعلَّ أهمَّ فلسفة إنسانية وحديثة تطرقت إلى موضوع السعادة، هي فلسفة «النفعيَّة» Utilitarianism، التي طرحها في العام 1789 الفيلسوف الإنجليزي جيرمي بنثام. هذه الفلسفة طرحت معايير أخلاقيَّة لتحديد معنى الفعل أو العمل الصحيح، وقال المنظّر الأول لهذه الفلسفة إن الفعل يصبح صحيحاً إذا حقق سعادة (رفاهيّة) لأكبر عدد ممكن من الناس. بعد ذلك، جاء الفيلسوف الإنجليزي جون ستيوارت ميل (توفي في 1873) وطور مفهوم السعادة والرفاهيّة ليشمل «النوعيّة» وليس فقط الكميَّة، مع التركيز على القواعد العامّة، بدلاً من الحالات الفرديَّة.

غير أنَّ تحديد معنى السعادة ليس أمراً ثابتاً ومُحدداً. فبحسب فلسفة النفعيَّة، مثلاً، لو أنَّ قارباً في البحر احتوى على رجلين، أحدهما جرَّاح ماهر، والآخر إنسان عادي، وكان عليهما أن يختارا واحداً منهما ليغرق وينجو الآخر، فإنَّ الفلسفة تقول يجب التضحية بالإنسان العادي؛ لأنَّ الجراح سيعالج آخرين وستكون نفعيته أكبر. وقد طرح بعضهم سؤالاً من نوع آخر، فلو كان هناك بث تلفزيوني لمباراة كأس العالم التي يسعد بمشاهدتها مليار شخص، ولنفترض أنَّ جهاز البث وقع بالخطأ على يد مهندس في مركز بث المباراة، وأنَّ يد هذا المهندس ستقطع إن لم نقطع بثَّ المباراة لإنقاذه بسرعة... فهل نزعج مليار شخص يتلذذون بالمباراة، أم نترك الفني في ألمه ولتقطع يده؟ من الناحية الكمية، فإن سعادة مليار شخص يشاهدون المباراة قد تكون (من الناحية الحسابية) أهم من ألم شخص واحد.

في جذر المسألة أسئلة جوهرية: مَنْ يحدّد فائدة شخص مَّا، أو عمل مَّا، وكيف نقيس تحقيق رضا وسعادة الآخرين التي ستنتج عن ذلك الفعل؟ هذه الأسئلة ليس من السهل الإجابة عليها؛ لأنَّ الإنسان لا يمكن اعتباره وسيلة للربح والخسارة، وإنَّما هو قيمة ثابتة، والإنسان غاية بحدّ ذاته، في الوقت الذي قد يكون وسيلة أيضاً... ولكن من دون التضحية بقيمة وكرامة أي شخص تحت أي ظرف من الظروف، وهنا تكمن المعضلة في تحديد معنى السعادة وفي تكليف وزارة بتحقيقها.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1119463.html