صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5020 | السبت 04 يونيو 2016م الموافق 17 جمادى الأولى 1445هـ

ماذا تعني الدولة المدنية؟

الكاتب: ريم خليفة - Reem.khalifa@alwasatnews.com

يعد موضوع الدولة المدنية مفهوماً غائباً عن أذهان الكثيرين ممن لا يعرفون تحديداً طبيعة هذا المطلب وأثره فيما لو تحقّق في مجتمعاتنا العربية، التي مازالت تنتخب نفس الرئيس أو تعيش تحت مظلة نظام سياسي لم يتحرّر بعد من مفهوم النظام الأبوي حتى ينطلق إلى مفهوم الدولة المدنية المعمول به في المجتمعات الحرة، على غرار النرويج مثلاً التي تخرج فيها مظاهرات دون شرطة وقنابل مسيلة للدموع، في مناخ مفتوح للتعبير دون أي قيد.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل لا يمكن السماح بشيء يساهم في خلخلة العمل بمبادئ الدولة المدنية، كما لا يمكن لرئيسٍ أن يبقى في منصب الرئاسة مدى الحياة. أما في عالمنا العربي فإن الأمر مختلف ومعقد، حيث لا يسمح فيه بتغيير الوجوه واستمرار الفساد السياسي من خلال إحلال حاجز الخوف داخل المجتمع، أو شنّ حرب قاهرة ضده. وهناك من الأمثلة العربية التي لا تعد ولا تحصى مثل الجزائر وسورية وليبيا وغيرها.

ورغم ان الجزائر بلد قريب من تونس التي انطلقت منها ثورة الربيع العربي قبل خمسة أعوام وكسرت فيها حاجز الخوف في الشارع التونسي، إلا أن الأمر يبدو شاقاً حتى في الدول العربية ذات النظام الجمهوري بشكل عام. أما في منطقة الخليج فإن الأمر يبدو معقداً، إذ أن المجتمعات هناك مازالت تعيش في ظل المفاهيم المذهبية والقبلية. ولو أردنا أن ننظر إلى النظام الأبوي المعمول به في المجتمعات الخليجية، فإنه لا يخرج من هذه العباءة، وبالتالي فإن هذا الفكر يصطدم مع فكر الدولة المدنية التي تتكلم بلغة التعددية البعيدة كل البعد عن هذا النسق.

للأسف هناك إشكالية في المشهد العربي، ولا يمكن التحرر إلا من خلال تغيير حقيقي بين من يمسك بزمام النظام السياسي وبين مختلف فئات المجتمع التي هي الأخرى مطالبة بتقبل التغيير وعدم جره بالصورة التي تفصل بحسب ما يناسب مصلحتها وإلغاء مصالح الجماعات الأخرى. والمساعي الحالية والمطروحة في الشارع العربي في مصر والمغرب والأردن والبحرين ولبنان مازالت غائبةً، لأنها تختلف في الطرح بحسب ظروف ودرجة الوعي ومساحة الحرية التي تعطى للعمل السياسي ولعمل المجتمع المدني في كلٍّ من هذه البلدان. فلا يمكن مثلاً مقارنة البحرين مع المغرب عندما يتعلق الأمر بأسلوب عمل مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية خاصةً بعد العام 2011.

نحن اليوم بحاجةٍ بشكل أكبر إلى مقاربات تتوسط الطموح المشروع بالسعي إلى تحقيق الدولة المدنية، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تحقيق العدالة التي تؤمن بحقوق الإنسان والبعد عن المفاهيم التي تخلّ بالدولة المدنية، وبمعنى آخر، البعد عن التعصب والتطرف.

مثل هذا الكلام جاء من واقع ما تقدّمه الدولة المدنية في المجتمعات الحرة. ولذا فإن الحديث عن دولة مدنية تستوعب الجميع على مبدأ المساواة والحقوق العادلة بات أمراً نظرياً إذا كان سيقارن الوضع مع ما هو مطروح في دول الغرب مثلاً، وعلى هذا الأساس يروّج البعض لمفهوم الخصوصية، ويقولون بأن العرب يختلفون عن باقي البشر، وأنهم لا يرون في هذه المفاهيم حاجةً واقعيةً لها، على رغم أن هذا الكلام لا يعكس الحقيقة، وهي أن مجتمعاتنا ليست مختلفة عن أي مجتمع آخر، ولكننا مازلنا نعجز عن إلغاء ثقافة التمييز والتعصب التي تشغلنا أكثر مما يشغلنا بناء دولة تحترم الإنسان وتستوعب الجميع دون تفرقة أو تمييز بين المرأة والرجل، وبين العربي والأعجمي.

وهنا أذكر ما قالته طالبةٌ جامعيةٌ نرويجيةٌ في إحدى المقابلات الصحافية: «نحن نسمع لبعضنا البعض لنتقدّم، أما النقد فليس هناك ما نحتاج لنقده، فلدينا من الحرية ما ليس عند الآخرين. ولهذا نحن مختلفون رغم بعض حالات الشواذ التي تظهر من أجل تخريب صورة التعايش والمناخ الحر».


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1122456.html