صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5033 | الجمعة 17 يونيو 2016م الموافق 07 محرم 1446هـ

جيش سورية «الجديد الميِّت»

الكاتب: محمد عبدالله محمد - Mohd.Abdulla@alwasatnews.com

نشرت صحيفة الـ «واشنطن بوست» تقريراً لمديرة مكتبها في بيروت ليز سلاي بشأن المساعي الأميركية لتشكيل نواة جيش سوري «جديد» يواجه تنظيم الدولة الإسلامية في الرقة وغيرها من المناطق السورية. هذه النواة بدا أنها تتمثل اليوم فيما يُعرف بـ قوات سورية الديمقراطية التي خاضت وتخوض معارك ضارية ضد «داعش» في أرياف حلب والرقة، وحققت فيها مكاسب جيدة.

وعلى رغم أن سلاي ركزت في تقريرها على نوع محدد من الصعوبات التي تواجه هذه القوات في مهمَّتها تتعلق بمسائل التمويل والمساندة، إلَّا أن الصعوبات التي أعنيها هي تلك التي تواجه مكوّنات تلك القوات التي بها تتشكَّل من حيث التوازن «العرقي» والذي يبدو المقاتلون العرب فيها الحلقة الأضعف أمام عدّة ونفوذ المقاتلين الأكراد، الذين يُشكّلون عصبها الحقيقي، باعتراف قادة كبار في وحدات حماية الشعب الكردي.

التقرير قال بأن من بين الجماعات المتعددة لذلك البرنامج (وتعني بها الفصائل العربية) لم يتبقّ منها سوى جماعة واحدة (وهو ما يُبيِّن أقليّتها) أكملت تدريبها ووَلَجَت إلى سورية بسرّيّة تامة كي لا تتعرض لمثل ما تعرضت له الجماعات الأخرى في السابق، حيث استطاع المقاتلون الجدد أن يتموضعوا في أرض صغيرة في منطقة «التنف» النائية بريف حمص الجنوبي الشرقي.

وأشارت سلاي أن ذلك التماسك أصِيْبَ بنكسة بعدما قام تنظيم الدولة الإسلامية باستهداف المجموعة فجر السابع من مايو/ أيار الماضي عبر سيارة مفخخة استطاعت أن تدخل إلى المكان الذي كانت المجموعة تتخذه مقراً لها ما أدى إلى مقتل الكثير منهم. وقد وصف قائد المجموعة وهو ضابط سوري منشق اسمه محمد طلة ذلك الاستهداف بأنه «ضربة قاصمة».

تنقل سلاي عن قائد المجموعة السورية قوله بأن جنوده «رأوا الانتحاري يندفع عبر الصحراء عندما كانت مركبته تبعد عن قاعدتهم مسافة ميلين، وقد أطلقوا عليه النار بكل الأسلحة التي كانوا يحملونها، لكن الرصاص والقذائف الصاروخية وقذائف الهاون لم تضر المصفحة التي كانت روسية الصنع وأضيفت إليها طبقات أخرى لزيادة حمايتها. وعلى رغم أنهم طلبوا مساعدة الغارات الجوية، إلا أن الطائرة لم تصل إلَّا بعد أن نُفذت العملية الانتحارية».

والذي يبدو أن الأميركيين ولأسباب عدة يأنفون عن تزويد تلك المجموعة بأسلحة قادرة على بث الثقة في نفوسهم وجعلهم قادرين على مواجهة عدو شرس كتنظيم داعش بخلاف دعمهم للأكراد. وكل الوعود التي أطلقها الأميركيون ذهبت مع الريح. هذا ليس تحليلاً بل هو تصريح منقول عن مسئول الوحدة المدربة أميركياً، حيث قال بأن تلك الوعود التي قدمها الأميركيون لهم لم تُنفذ على الأرض، «فضلاً عن عدم إمدادهم بالجرارات التي قد تساعدهم على بناء تحصينات أقوى».

باعتقادي فإن السبب الأكيد في عدم تزويد هؤلاء بالسلاح هو الخشية من تحوّل أيديولوجيتهم نحو جماعات متطرفة كالنصرة وأخواتها على رغم أنهم (أي الأميركيين) قاموا بـ «برنامج تحرٍّ» بشأن كل مَنْ يريد الانضمام لهذه القوات التي يدعمها البنتاغون، كي يستثنوا كل مَنْ لديه ميول أيديولوجية متطرفة. والمعروف أن مثل هذا التحري يحتاج إلى وقت طويل كي تظهر نتائجه. هذا الأمر وإلى جانب ما يؤدي إليه من غربلة في الأشخاص، فإن الوقت عادة ما يجعل الإيمان بالمشروع ضعيفاً.

اللافت أن مَنْ نجوا من تلك الضربة الداعشية بدأوا يطرحون تساؤلات وجودية وما إذا كانوا مُطالَبِين بأن يبرحوا مكانهم في منطقة صحراوية معزولة وبعيدة عن أي مدينة سورية حيوية وكأنهم لقمة سهلة لهجمات أخرى. وهي إشارة تُدلِّل أن مركز القيادة والتحكم لايزال خارج سورية، وأن الأوامر الصادرة ربما تكون «أميركية بحتة» وأنها متذبذبة وغير إنسيابية.

بل حتى آمر السَّرِيَّة نفسه غير قادر على تحديد مصيره ولا مصير مَنْ يقودهم. وقد قال بأن الأميركيين «لا يفعلون ما يستطيعون القيام به. ونحن لا نريد أن يستهتر الأميركيون بأرواح رجالنا». فالأميركيون ليسوا على الأرض، بدليل ما قاله الجنرال الأميركي ستيف وارين وهو أن دعمهم كان عبر «الغارات الجوية كلما أتيح ذلك».

مثل هذا التنسيق والدعم الضعيف قد يدفع هؤلاء إلى الهزيمة المعنوية المُطبِقة وبالتالي تعرضهم للهزيمة الفعلية في أي معركة نارية مع الخصم. حدث هذا مع أول دفعة درّبها الأميركيون حيث اختُطِفت على يد جبهة النصرة (فرع القاعدة في سورية) بينما لم يستطع الباقون واللاحقون سوى تسليم أسلحتهم للجبهة في نكسة كبيرة جعلت المشروع الأميركي يتوقف في تلك الفترة.

مثل هذا التنسيق الضعيف والرّيبة الدائمة في المنتسبين بالإضافة إلى قلة وجود العنصر العربي في هذا الجيش الجديد يجعله فقيراً في السيادة، وفقيراً في التحالفات ولا يستطيع أن يحتفظ بأرض.

فحسب قول دبلوماسي سوري يعيش في الولايات المتحدة الأميركية فإن العنصر العربي أمر حاسم في تسوية الصراع في المناطق الشرقية لنهر الفرات، بدل الخلط الحاصل بين الجنود الجدد وبين الأكراد. لكن هذا الأمر لا يبدو متحققاً في قوات سورية الديمقراطية، وهو ما يجعلها عُرضة للتشظِّي لاحقاً عندما تستقر على الأرض، ويخلق صراعات في المناطق التي تسيطر عليها، وبالتالي لا جيش سوري جديد يمكن أن يتشكّل في مثل هذه الظروف، وبهذه العقلية البائسة.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1127897.html