صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5087 | الأربعاء 10 أغسطس 2016م الموافق 07 رجب 1444هـ

فيلم «أليس عبر المرآة»: محاولة فاشلة لتقديم «بلوك باستر»

كثيرة هي الأفلام التي تُناقش ثيمة التنقُّل عبر الزمن ومحاولة تغيير أحداث الماضي لصنع مستقبل أفضل. ولعل المحاولة الأولى التي يمكن تتبُّعها لهذه النوعية من الأفلام، بحسب معرفتي، تعود إلى العام 1949 مع فيلم A Connecticut Yankee in King Arthur’s Court . ربما كانت هناك أفلام سابقة لهذا الفيلم ناقشت الثيمة ذاتها، ولكن مهما يكن الأمر، فالثابت هو أن هوليوود انشغلت على مدى عقود بتقديم هذه الثيمة عبر السينما ثم عبر التلفزيون. هذه الثيمة انتقلت، في العقود الأخيرة، إلى بوليوود وحتى إلى الأفلام المصرية، لتناقش ربما بشكل أقل تمكنا لكنها طرحت على أية حال، ومن الأفلام العربية التي ناقشتها بشكل لا بأس بها فيلم «ألف مبروك» الذي قدمه الفنان أحمد حلمي العام 2009.

هي ثيمة مكررة إذن، بل يمكن القول إنها ثيمة مُبتذلة إلى حد ما، ليس من السهل تقديم الجديد فيها، نظراً إلى الكمِّ الكبير من الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية التي قدَّمتها، لذلك لا يمكن لصانعي فيلم يعتمد هذه الثيمة أساساً له، توقع نجاح كبير له على شباك التذاكر، إن استسهلوا الأمر. هذا هو للأسف ما حدث للجزء الثاني من فيلم «أليس في بلاد العجائب» الذي انطلق في شهر مايو/آيار 2016 في دور السينما العالمية تحت عنوان Alice Through the Looking Glass (أليس عبر المرآة).

هذا الفيلم الذي جاء خلفاً للفيلم الأول «أليس في بلاد العجائب» Alice in Wonderland والذي أطلق العام 2010، لم يتمكن من تحقيق نصف ما حققه سابقه من أرباح على شباك التذاكر. تجازوت أرباحه 289 مليون دولار بقليل في مقابل موازنة بلغت 170 مليون دولار أميركي، في حين تجاوزت أرباح الجزء الأول مليار دولار في مقابل موازنة لم تتجاوز 200 مليون دولار. كذلك لم يعجب الجزء الثاني من الفيلم النقاد ولم يجذب أياً من فئات المشاهدين المستهدفة، لا الصغار ولا الكبار.

نص الفيلم الذي يفترض أن يكون معتمداً على الجزء الثاني من القصة التي كتبها البريطاني لويس كارول العام 1871، لا يمتُّ إلى القصة الأصلية بكثير صلة. في الواقع فإن كاتبة النص ليندا وولفيرتون كتبت نصاً مختلفاً في أحداثه وفي منحاه عمَّا ورد في قصة لويس، إنه نص لا علاقة له بالقصة. هي في الواقع ركَّزت على ثيمة وردت في القصة وهي ثيمه رؤية أحداث مستقبلية وتذكُّرها قبل حدوثها من قبل الملكة البيضاء، ميرانا. هذه الثيمة العابرة التي وردت في الفصل الخامس من القصة، لم تكن هي الأساس ولم تكن محركة لأي حدث أو مهمة بأي شكل، لكن كاتبة السيناريو، ومن حقها ذلك، ركَّزت عليها واعتبرتها أساس الجزء الثاني من الفيلم. وعلى ما يبدو فإنه لم يكن خياراً موفقاً حين انتقت فكرة التنقل عبر الزمن وهي كما ذكرت فكرة مستهلكة، لتجعلها أساساً لفيلم أريد منه أن ينافس سابقه أو أن يحقق نجاحاً مشابهاً له.

في هذا الجزء من الفيلم تعود أليس (تقوم بدورها ميا واسكيوسكا) إلى ووندر لاند (أرض العجائب) لتجد أن صديقها تارانت هايتوب، صانع القبعات المجنون (جوني ديب)، يمر بوضع صعب، وذلك بسبب فقدانه عائلته على أثر هجوم الجابرووكي على قريته. لكن هذا حدث في الماضي البعيد حين كان تارانت صبياً صغيراً. والآن يتوجَّب على أليس أن تعود إلى الماضي لتنقذ أسرة صديقها وبالتالي لتنقذه.

عودة أليس إلى الماضي تستوجب منها زيارة «الوقت» في قلعته واقناعه بالسماح لها بالتنقل عبر الزمن، والوقت ليس سوى مخلوق نصفه إنسان، ونصفه الآخر ساعة، يقوم بدوره ساشا بارون كوهين (الشهير بشخصية علي جي). بالمناسبة، فإن فكرة مخلوق الزمن هذه، استوقفت بعض مشاهدي الفيلم في البحرين، الذين اعتبروا هذا الرجل رمزاً للذات الإلهية وعارضوا وجود الفيلم في صالات السينما البحرينية. لا أود التطرق كثيراً لهذا الأمر، كل ما يمكنني قوله هو أننا أمام فيلم خيالي (فانتازيا) مبنى على قصة كتبت في القرن التاسع عشر، هدفها تعليم الفتيات الثلاث اللواتي رُويتْ لهن القصة أساسا، مبادئ الحساب والهندسة والمنطق وحتى لعبة الشطرنج. لذلك فإن الأمر في الواقع، ومن وجهة نظري المتواضعة، بعيد عن نظرية المؤامرة والمساس بالذات الإلهية.

عودة إلى الفيلم، تمر أليس بالكثير من الأحداث وتعيش عدداً من المغامرات التي يمكنني الجزم بأنني سأصيبكم بالملل إن تطرقت إليها، فهي أحداث كثيرة، ومكررة سواء على مستوى الفيلم نفسه، أو على مستوى سينما هوليوود، حيث شاهدناها كثيراً في أفلام سابقة، حتى حين يتعلق الأمر بآلات التنقُّل عبر الزمن. ظننت أن الكاتبة ستضع في اعتبارها أنها تكتب لجيل مختلف، جيل تقني جداً، لا يمكنه قبول ما كان يبهر أطفال أو مراهقي التسعينيات مثلاً. كان يمكن الحديث عن تنقُّل عبر الزمن عبر برامج تشبه تلك التي يستخدمها الصغار بشكل دائم على أجهزتهم الذكية على أقل تقدير، وكان يمكن للكاتبة أيضاً أن تبحث بشكل أكبر أو أن تطلب مشورة متخصصين في مجال التقنية لتكتب لجيل متقدم في مجال تقنيات الكمبيوتر بشكل مختلف عن سابقه من الأجيال. وبالمناسبة فإن ليندا وولفيرتون كتبت العديد من أفلام ديزني مثل «الجميلة والوحش» و»الملك الأسد» و»مولان» و»ماليفسنت» وبالطبع الجزء الأول من الفيلم الذي جاء تحت عنوان «أليس في أرض العجائب». نجحت الأفلام السابقة التي كتبتها ليندا، لكنها لم تنجح هذه المرة، لا في اختيارها لثيمة السيناريو ولا في تفاصيل الأحداث.

حتى المخرج جيمس بوبن، الذي أخرج الجزء الأول من الفيلم، لم يكلِّف نفسه عناء تصميم مركبة تنقل عبر الزمن، أكثر إقناعاً لجيل اليوم، بدت المركبة قديمة، ستبهر أطفال التسعينيات، أما أطفال اليوم ومراهقي اليوم أيضاً فستضحكهم هذه المركبة كثيراً.

وحتى لا نبخس الفيلم حقه، يمكن القول إن المنطق الذي بُني عليه الفيلم جيد، وهو أمر لا فضل فيه لصنَّاع الفيلم، لأن القصة أصلاً مبنية على استنتاجات وتحليلات منطقية. الفيلم يقول إنه يجب علينا التصالح مع الوقت الذي تصفه أليس ووالدتها بأنه «وحش» و»شرير» و»لص»، ويقول بأننا لا يمكن لنا بأية حالة من الأحوال، الرجوع بالزمن إلى الوراء، يمكننا قراءة الماضي والاستفادة منه لكن ليس تغييره بكل تأكيد. يقول الفيلم أيضا إننا يجب أن نركِّز على الحاضر من أجل مستقبل أفضل وألاَّ ننشغل بالماضي إلا للإستفادة منه. الفيلم يطرح سؤالاً مفتوحاً في نهايته أيضاً عن الفرق بين الحلم والواقع، أيهما هو الآخر، وهي إشكالية منطقية لا بأس بمناقشتها، وربما فعلت الشركة المنتجة «شركة ديزني» ذلك عبر جزء ثالث. لا أستبعد الأمر شخصياً مع شركة «مفلسة من الأفكار» مثل «ديزني».

على أية حال، ومهما حاول الفيلم «التفلسف» وإلقاء العبارات المنطقية هنا أو هناك، إلا أنه فيلم مزعج بسبب الفوضى في مشاهده وممل بسبب التكرار في الأحداث وكذلك بسبب طول بعض المشاهد. هو باختصار محاولة فاشلة من «ديزني» لتقديم فيلم يُبهر الجمهور ويُحقِّق أرباحاً كبيرة (بلوك باستر).


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1147329.html