صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5099 | الإثنين 22 أغسطس 2016م الموافق 17 ذي القعدة 1445هـ

جذور الوعي التاريخي في البحرين

الكاتب: وسام السبع - wesam.alsebea@alwasatnews.com

ساهمت عوامل كثيرةٌ، سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة، خلال العقود الأخيرة في أن تشهد المنطقة العربية اهتماماً متزايداً بالتاريخ قراءةً وكتابةً وتفسيراً، وتنامي الشعور بضرورة إدراك جذور الظواهر العامة في حياة الشعوب إدراكاً سليماً في عصر تميّز بأعقد التحولات الاجتماعية وأشدها تأثيراً على مصائر الناس.

وقد شهدت البحرين كغيرها من بلدان المشرق العربي، انبثاقاً للوعي التاريخي وإدراكاً لأهمية العناية بالتاريخ تسجيلاً وقراءةً ودراسةً وتفسيراً، وظهرت في هذا السياق كتابات تناولت دراسة أحداث الماضي وحاضرها، واتسعت شيئاً فشيئاً دائرة الاهتمام بالتاريخ الثقافي والمعالم الأثرية، وساهمت حيوية المنطقة ونشاطها الأدبي في تكريس هذا الاهتمام وتعميقه.

وشهد مجتمع البحرين في الربع الأول من القرن العشرين جملةً من التغيرات الاجتماعية والفكرية وعلى رأسها التعليم النظامي، الذي بدأ في العام 1919، الذي كان دون ريب أحد ركائز تنامي الوعي التاريخي عند البحرينيين. وترافق انفجار الوعي التاريخي في المنطقة مع تعاظم الإحساس بالمخاطر الفكرية والدينية والسياسية والاجتماعية الجسيمة التي أحدثها الوجود الأجنبي في المنطقة، والذي نشطت في ظلّه حركة التبشير بكل ما تمثله من محاذير دينية كان يستشعرها علماء الدين والمثقفون والأدباء بشكل خاص.

من هنا، أخذ الوعي التاريخي في البحرين يعبّر عن نفسه من خلال ثلاثة مظاهر رئيسية جسّدت بوضوح سعي البحرينيين إلى الإمساك بخيوط هويتهم وفهم ماضيهم: حركة التنقيب الأثري للبعثات الأجنبية، وظهور المؤسسات الرسميّة والأهلية المعنية بالتاريخ والآثار والتراث المخطوط في البحرين، وأخيراً اتساع دائرة الاهتمام بحركة التدوين التاريخي التي انبثقت في أوساط المثقفين من أبناء البحرين، وأخذت تتنامى بشكل مضطرد بدءًا من منتصف القرن العشرين.

وفيما يتعلق بنشاط البعثات الأجنبية التي عكفت على التنقيب في المواقع الأثرية، برزت جهود أولى البعثات الأجنبية عبر البعثة الدنماركية التي عملت بقيادة البروفيسور البريطاني جيفري بيبي (ت 2001م)، الذي أشرف ميدانياً على أعمالها طيلة 15 عاماً بحثاً عن «دلمون»، الحضارة التي كانت وإلى بداية النصف الثاني من القرن الماضي حضارة مجهولة، وقد نشر بيبي النتائج التي توصلت إليها بعثته وعرضها في كتابه «البحث عن دلمون».

أما فيما يتعلق بظهور المؤسسات الرسميّة والأهلية المعنية بالتاريخ وآثار البحرين، فظهرت أولى المساعيّ الرسميّة عبر تأسيس مركز الوثائق التاريخية في عام 1977، ووضعت إدارته على عاتقها مسئوليّة جمع الوثائق التاريخية المختلفة ومن أهمها الوثائق المحليّة، حيث كانت أبرز أهداف المركز «جمع الوثائق والمخطوطات والصور والخرائط القديمة تلك التي تلقي الضوء على تاريخ المنطقة، ثم بوشر في فهرستها حسب مواضيعها وتواريخها وأمكنتها». وقد اهتم المركز بإتاحة هذه الوثائق للباحثين وذلك عن طريق نشرها في مجلة «الوثيقة» التي صدر العدد الأول منها في يوليو 1982.

وقام المركز بحصر المخطوطات البحرينية في المكتبات الشخصية، وأثمرت جهوده في هذا السبيل عن إصدار «فهرس مخطوطات البحرين» في جزءين، والذي أعدّه الدكتور علي أبا حسين في أعقاب افتتاح دار المخطوطات والوثائق التابعة لإدارة الآثار والمتاحف في النصف الثاني من عام 1976. وبدءًا من سبعينيات القرن العشرين، أخذت النخبة البحرينية المثقفة على عاتقها مهمة بثّ الوعي الفكري والسياسي والديني، وقد اصطبغت هذه الأولويات بما كانت تشهده الساحة البحرينية من توجهات فكرية وسياسية وحزبية مثلت مشارب متباينة، وحاولت جميعها أن تستقطب الشباب وتفوز بتعاطف الجماهير مستغلةً حالة الفراغ الفكري وتعطّش العامة العميق للمعرفة والانفتاح الذي كان يسود المجتمع وقتئذٍ.

وقد ظهرت على استحياء بعض الكتب والدراسات والمقالات الصحافية التي سلّطت الضوء على بعض تراث البحرين الثقافي والأدبي، ومن أبرز روّاد هذه المرحلة الدكتور محمد جابر الأنصاري، الذي دشّن البداية الفعليّة لاهتمام المثقفين البحرينيين بتراثهم وتاريخهم الثقافي، فبعد تخرّجه من الجامعة الأمريكيّة ببيروت في سنة 1966، بدأ بنشر عددٍ من المقالات في الصحف والمجلات، وانتظم في كتابة الأبحاث وإصدار الكتب في الأدب والفكر، ومن مؤلفاته المبكرة كتاب «لمحات من الخليج العربي»، وهو عبارة عن مقالات ودراسات تتراوح في طبيعتها بين منهج البحث العلمي الأكاديمي وبين الانطباعات الذاتية والاستنتاجات الشخصّية في تناولها لتاريخ الخليج وثقافته ورجاله وفولكلوره الشعبي. والمهم في هذا الكتاب تلك البذرة التي بذرها في إعداد ما أسماه بـ «معجم رجال الثقافة في الخليج العربي عبر التاريخ»، وهذه المحاولة على تواضعها من حيث الاستيعاب ونضج المادة العلميّة، إلا أنها تُعدّ من أُولى المحاولات التي ظهرت في هذا المضمار على مستوى البحرين، إن لم يكن على مستوى دول الخليج، في النصف الثاني من القرن العشرين.

وقبل أن يبرز الاهتمام بالتاريخ المحلي في التاريخ الحديث على يد أبناء البحرين، كان العهد الاستعماري يشهد انتشاراً لموظفي شركة الهند الشرقية في الخليج، وقد خلّف هؤلاء تقارير ومذكرات تُعدّ من أهم مصادر تاريخ البحرين الحديث، وترجع هذه التقارير إلى القرن السابع عشر الميلادي، إلا أنها لم تصبح مادة وفيرة العدد إلا بعد أن ازداد اهتمام بريطانيا بالخليج في القرن التاسع عشر، وقليلٌ منها اهتم بالجوانب الاجتماعية، وحتى هذا القليل تناول مجتمع الخليج بصفة عامة دون التعمق في مجتمع البحرين.

وقد ظهر كتاب «دليل الخليج» الذي وضعه البريطانيون ليكون لهم مرشداً، ولعملائهم في الخليج دليلاً، وقد نُشر هذا الكتاب باللغة الانجليزية من قبل حكومة الهند في كلكتا سنة 1915، وكان يعتبر وثيقةً سريةً لا يجوز الاطلاع عليها حتى عام 1955 على وجه التقريب، وكل ما طبع منه لم يتجاوز مئة نسخة.

كما تناول تاريخ الخليج العربي عددٌ من الكتاب والمؤرخين العرب والأجانب، وكانت دراساتهم في الغالب تاريخاً للوجود البريطاني في الخليج العربي، والقوى الأوروبية الأخرى وللصراع الدولي فيه. وفي مطلع الخمسينيات من القرن العشرين أخذت الكتابات تتدفق حول البحرين، لكن معظمها كان يدور حول المطالب الإيرانية في البلاد العربية وتفنيد هذه المطالب التي انتهت بقرار مجلس الأمن لعام 1970.

وكان من نتائج الوجود البريطاني في الخليج العربي، تنامي نشاط الحركة الوطنية التي كان من أبرز ظواهرها، ظهور بعض الأدبيات السياسية والحزبية، وعرف البحرينيون أول محاولة متكاملة لفن السيرة الذاتية على يد أحد زعماء الحركة الوطنية في البحرين، عبد الرحمن الباكر (ت 1971م)، الذي لخّص في كتابه «من البحرين إلى المنفى»، تاريخ الحركة الوطنية من خلال السرد الذاتي للأحداث، وقد صدرت الطبعة الأولى من الكتاب في بيروت في عام 1965.

وتزايدت بعد ذلك حركة الاهتمام بتاريخ البحرين والظواهر الاجتماعية المرتبطة بالمجتمع البحريني، وقد انعكس هذا الاهتمام على نوعية الرسائل والأطاريح العلمية المقدمة في الجامعات العربية والأجنبية، وقُدمت مجموعة من الأبحاث التاريخية الجادّة؛ فقد قدّم إسحق فؤاد الخوري (ت 2003م) دراسةً انثروبولوجيةً معمقةً لمجتمع البحرين، تبعه محمد غانم الرميحي في أطروحته حول «مشكلات التغيير السياسي والاجتماعي» التي نشرها في بيروت عام 1976، وإبراهيم خلف العبيدي (ت 2015)، وأمل إبراهيم الزياني، ثم توالت بعدها الاصدارت - بصورة مكثفة – وظهرت العديد من الأبحاث والدراسات حول مجتمع البحرين وتراثه الثقافي والأدبي، وقد شملت اهتمامات الباحثين مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والدينية والثقافية والاجتماعية والأدبية.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1151702.html