صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5116 | الخميس 08 سبتمبر 2016م الموافق 12 ذي القعدة 1441هـ

تركيا المكبلة بين الاستقلالية والمحيط العربي

الكاتب: شفيق الغبرا - comments@alwasatnews.com

في مدينة إسطنبول، قلب الاقتصاد التركي، يقطن ما يزيد على 20 مليون مواطن يمثلون ربع الشعب. لن تجد في المدينة مظاهر للجيش أو للدبابات. فحركة السير تشبه الحركة في كبرى مدن العالم وعواصمه الأوروبية مع نكهة إسلامية. إسطنبول بالتحديد مدينة فوق المدن. لقد فرض الموقع الجغرافي والتاريخ الممزوج بحاضر سياسي واقتصادي شاق مجموعة من التحديات والموانع التي تحكمت بتركيا.

فعلى سبيل المثال كانت تركيا ابان الحرب الباردة ومن المنظور الغربي حليفاً، لكنها كانت في الوقت نفسه منطقة عازلة وبوابة المواجهة ضد السوفيات. فوفق الأستاذ الجامعي والمستشار الاقتصادي التركي كريم ألكن: «على رغم عضوية تركيا في حلف الناتو منذ الخمسينات وتفانيها الكبير في التحالف مع الغرب لم تكن تحظى بما تستحق، فقد كان منظور الناتو لتركيا انها أرض حرب ستسقط بسرعة أمام الدبابات السوفياتية وذلك ليتسنى لبقية أوروبا امتصاص الهجوم. هذا الموقف أخاف المستثمرين، فمنذ العام 1954 حتى ثمانينات القرن العشرين لم يأتِ الى تركيا من الاستثمار الأجنبي ما يستحق الذكر. كان السيناريو المتوقع لتركيا، على رغم قيامها بإصلاحات اقتصادية، انها ستسقط، فلماذا الاستثمار فيها؟».

المأزق التركي كما يفهمه الكثير من المثقفين الأتراك يشبه العربي، لكن تركيا تختلف عن العرب بأنها لم تخضع للاستعمار المباشر والتقسيم كما حصل مع العرب، فهي أبعد نسبيّاً عن بؤرة الصراع العربي الإسرائيلي والحروب المباشرة، وهي دولة ليست نفطية، وعندما هزمت كانت تركيا إمبراطورية كبرى ولاعباً في الحرب العالمية الأولى. تركيا الحديثة حققت انتصارات مختلفة منها دور أتاتورك التاريخي في هزيمة قوى غربية عدة وعدم خضوع تركيا لاستعمار مباشر كما حصل مع العرب.

لكن تركيا عانت منذ نشوئها الحديث وخاصة منذ الحرب العالمية الثانية وأثناء الحرب الباردة من مأزق التبعية إلى الغرب وسلطة العسكريين والجيش. هذا شكّل جوهر مشكلتها الذي أخضعها لديناميكية صعبة، فكلما سعت إلى الاستقلالية النسبية في الحرب الباردة عن الولايات المتحدة والغرب واجهت حدثاً، على شاكلة انقلاب أو قتل لرئيس الوزراء أو اغتيال للرئيس. ليس ضروريّاً أن الغرب قام بهذه الأعمال بصورة مباشرة، ويقرأ الأتراك في هذه الأحداث أكثر مما يقرأه الزائر القادم مثلي لأيام معدودة، لكن البيئة التركية وتداخلها مع «الناتو» ودوره واختراقاته الواضحة وغير الواضحة تفرز وضعاً يؤدي إلى تدخل الجيش الذي يخشى على مكانته وعلاقته الخاصة مع التحالف الغربي. وفق الإعلامية التركية المعروفة ميرفا سيبنام أوروك: «مع كل توجه مستقل لحماية مصالحنا القومية تثار أزمة وتثار في الوقت نفسه قضية علاقتنا مع الناتو، وتبدأ التصريحات التي تهدد بإعادة النظر في عضويتنا».

لقد كان الانقلاب الذي وقع على رئيس الوزراء عدنان مندريس العام 1960 رداً على سعيه إلى التصالح الجزئي مع الإسلام؛ تأكيداً لهذه الإشكالية التركية. لكن وفق الأستاذة الجامعية التركية ونائبة رئيس مركز بيلجسام نرسين غوني: «إن تعاون مندريس مع السوفيات في مجال الصناعة في أوج الحرب الباردة كان المدخل لإسقاطه من جانب الجيش الذي قام في ما بعد بإعدامه شنقاً. لكن حتى الرئيس تورغوت أوزال الذي كان رئيساً للوزراء من 1983 حتى 1989، ثم رئيساً للدولة قتل بظروف غامضة العام 1993؛ لأنه هدد الجيش وسعى إلى بناء سياسات مختلفة ومستقلة عن التحالفات التي أنشأها الجيش مع الخارج».

وبعد وفاة اوزال في مطلع التسعينات خسرت تركيا في عقد التسعينات، وفق نرسين غوني، والاقتصادي كريم ألكن، عقداً من التنمية والتطور وذلك على رغم إصلاحات الثمانينات التي لعب أوزال دوراً كبيراً في تحقيقها. على رغم نهاية الحرب الباردة، تم في التسعينات تشكيل 8 حكومات غير ناجحة ومتتالية، وأصبحت السياسة التركية أسيرة التشرذم وضعف القرار. في ذلك العقد تقدمت ماليزيا وكوريا الجنوبية وتايوان بينما بقيت تركيا مرتبكة ومشتتة.

لهذا يمكن الاستنتاج بأن تركيا أمة مكبلة بالموانع الناتجة من سلطة الجيش ونظرة الغرب السلبية لدور الدولة واستقلاليتها. لهذا جاء صعود نجم الدين أربكان الإسلامي العام 1996 في إطار نهوض عام لتيار جديد في المجتمع التركي يبحث عن الاستقلالية السياسية والثقافية، لكن الجيش انقلب على أربكان وأقصاه قبل أن يتطور تياره. لكن من جهة أخرى استطاع رجب طيب أردوغان ان يجد لتركيا مدخلاً آخر. لقد شكل ترؤسه بلدية اسطنبول بين 1994 و1998بداية تجاوزت الموانع. وتقول الإعلامية التركية ميرفا سيبنام أوروك: «لقد غيّر أردوغان وجه إسطنبول، غيّر حالة المياه، وواجه التلوث والأنظمة والقوانين الركيكة، وطوّر المدينة وقيمتها. صنع أردوغان من إسطنبول نموذجاً لكل الأتراك لما يمكن أن تكون عليه تركيا المحاطة بالضعف الاقتصادي وقلة المصادر والبيروقراطية ودور الجيش والتدخل الخارجي».

إن صعود أردوغان و»العدالة والتنمية» في انتخابات 2003 فتح الباب لأفق جديد في العلاقة بين الجيش والسياسيين المدنيين ثم بين تركيا والعالم. هذا الصعود ارتبط في الوقت نفسه مع هدوء حرب تركيا مع الأكراد واعتقال أوجلان زعيم الحركة الكردية المسلحة العام 1999، ولا يمكن الاستهانة بأهمية ان الغرب حاول استمالة تركيا واستيعابها، إذ تحولت تركيا الى عضو في مجموعة العشرين، وطلبت تركيا عضوية الاتحاد الأوروبي بناء على سعي أميركي عند الأوروبيين.

ويؤكد كريم ألكن أن «عضوية الاتحاد الأوروبي مثلت لتركيا فرصة، وسعت تركيا إلى تحقيق الشروط المطلوبة أوروبيّاً ومنها إيقاف عقوبة الإعدام العام 2004، لكن أوروبا وضعت موانع جديدة. لقد اكتشفت تركيا أيضاً أنها، سواء أرادت أم لم ترد، تدفع ثمن الانتماء الى كتلة بشرية إسلامية من الصعب أن تهضم اوروبيّاً في ظل بنية النظام الدولي السياسية والاقتصادية».

لقد شكلت قدرة أردوغان على بناء قاعدة سياسية جديدة بين الأتراك الفرصة لمواجهة الجيش النخبوي وللتخفيف من مأزق تركيا مع الحكم العسكري والتدخل الخارجي. هذه الأبعاد أعطت دفعة كبيرة للتنمية والنموذج الاقتصادي التركي ولمواجهات ستحسم مع الوقت من يملك السلطة في تركيا: المدنيون وليس العسكر، المنتخبون وليس للتنظيمات السرية (حركة غولان مثلاً) التي لا تشارك في الحياة السياسية.

ارتباط تركيا في السنوات القليلة الماضية بالقضية الفلسطينية عبر سفينة «الحرية» وعبر موقف أردوغان في دافوس، وعبر غزة لم يأتِ نتيجة ردود فعل عفوية. فهذا جزء من سياق تاريخي يسعى نحو الاستقلالية. وفي الوقت نفسه يمثل تفاعل تركيا مع ثورات الربيع العربي منذ 2010 جزءاً من إطار نامٍ ومستمر. في الجوهر تشعر تركيا أن عمقها الحقيقي الذي سيسمح لها تحقيق نموها المقبل مرتبط بالتعامل البناء مع الدائرة الإسلامية والعربية، وأن هذه الدائرة إن ظلت أسيرة الحرب والاستبداد ستأخذ معها تركيا نحو التقسيم والتراجع. من هنا رفضت تركيا تأييد التدخل العسكري الأميركي في العراق في 2003، كما رفضها، على رغم عضويتها في «الناتو»، مبدأ الضربة العسكرية لإيران، كما رفضت تدخل الجيش في الحياة السياسية المصرية كما وقع العام 2013.

وتفسر تركيا الانقلاب الأخير الذي وقع في (يوليو/تموز العام 2016) على حزب «العدالة والتنمية» والرئيس اردوغان بما في ذلك دور حركة غولن بأنه أحدث المحاولات لإحباط إمكانية أن تكون دولة لذاتها وفي إقليم لذاته. وهذا سيدفع بالدولة التركية الى المزيد من الإصرار. وعلى رغم وجود خلافات تركية ايرانية فإن تركيا تشترك مع ايران في اشكالية ما هو ممنوع دوليّاً: بروز قوة إقليمية مستقلة عن مراكز القرار الدولي في الشرق الأوسط، وهذا مرتبط بأهمية إسرائيل للغرب ومكانتها والسعي الدائم إلى إبقاء الإقليم العربي والإسلامي ضعيفاً ومشتتاً.

وفق عدد من الأتراك ممن قابلتهم: «لو جاءت موجة ثانية للثورات والانتفاضات العربية، لن تستطيع تركيا إلا أن تكون معها». لكن هناك من الأتراك ومن وسط «العدالة والتنمية» ومن مدرسة عبدالله غول من طرحوا رؤية «صفر مشاكل» مع الجيران في مرحلة سابقة للربيع العربي، ويرون أن تركيا يجب أن تنتبه جيداً لخطواتها المقبلة. هذه المدرسة تجد أن كل خطأ في السياسات سيؤدي الى نتائج سلبية على تركيا. ويؤكد رئيس مركز الشرق في مدينة إسطنبول غالب دالاي أن توازنات الإقليم والعالم «تتطلب السعي نحو الاستقلالية، لكن في الوقت نفسه بحذر شديد وبسقف يعي التحديات».

الملفت في تركيا، تحولها، كما كانت بيروت في السبعينات، الى ملجأ لآلاف النشطاء العرب من الدول العربية الكبرى والصغرى من كل مكان بما في ذلك دول الخليج وبلاد الشام وشمال افريقيا. النشطاء العرب ينتمون الى مدارس من الحقوقيين ومن تيارات إسلامية كـ «حماس» و»إخوان» مصر وسورية ممن لم يعودوا قادرين على البقاء في بلدانهم بسبب موانع الحرية وإشكالات الملاحقة. هذا التجمع العربي كبير ويزداد حجماً، وهو يخلق لنفسه بنية تحتية وحوارات ويجري مراجعات فكرية بشأن التغيير وسيكون مؤثراً في المرحلة المقبلة بخاصة في ظل موجة ثورية جديدة في السنوات الخمس المقبلة. أحد هؤلاء النشطاء كان في لبنان، وصدرت بحقه قرارات أبعدته من هناك. يقول ثامر: «في تركيا أكتب، أعبر، أنتقد، وأعمل في مجالي النقدي عبر الإعلام الوثائقي ولا أحد يهددني بحياتي أو بالموت أو بالطرد. الأتراك أكثر حرية وتصالحاً مع الرأي الآخر».

الكثير من الشبان والنشطاء الذين استقروا في تركيا كانوا في طليعة الربيع العربي في 2010، هؤلاء أيضاً انضموا الى التظاهرات التي عمت إسطنبول ضد الانقلاب في (يوليو الماضي). الكثير منهم كان في الشارع إلى جانب الأتراك، أحدهم وصف لي دخوله مع الأتراك الى المطار، ونزع الأسلحة من الجيش وتسليمها إلى الشرطة. تركيا تحولت الى مكان آمن لكثير من العرب. هذه ديناميكية تجب متابعتها واستيعاب مضمونها.

تتفاعل تركيا مع أفكار مختلفة بشأن النظام الرئاسي. الملاحظ مثلاً أن نقل موظف عادي من مكان الى آخر في الجهاز البيروقراطي التركي يتطلب عشرات التواقيع، فباستثناء إسطنبول وبعض المناطق السياحية أمام تركيا إصلاحات كبرى. ومن أهداف النظام الرئاسي وفق المؤيدين له، التعامل مع مشكلات تركيا الذاتية والإقليمية بحيث يستطيع الرئيس المنتخب شعبيّاً أن يأخذ قرارات أكثر حزماً وقوة. لايزال امام تركيا الكثير لصناعة مستقبلها. فصعودها، على رغم أهميته، لم يكتمل، والتحديات التي تواجهها مازالت تتفاعل في محيطها الإقليمي وبنيتها المتحولة.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1157669.html