صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5205 | الثلثاء 06 ديسمبر 2016م الموافق 20 ذي القعدة 1445هـ

تمديد العقوبات كمؤشر تصادمي

الكاتب: منى عباس فضل - comments@alwasatnews.com

هي مدة قصيرة تلك التي تفصلنا عن استلام الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب مقاليد السلطة مطلع العام الجديد، وعن مسار سياسته الخارجية، لاسيما تجاه إيران وما نالها من تصريحاته النارية أثناء حملته الانتخابية، التي شدّد فيها على مبدأ «أميركا أولاً»، وبما أشاعته تلك الحملة من قلق ومخاوف وردود أفعال متباينة من حلفاء واشنطن قبل أعدائها.

يتفق غالبية المحللين بشأن صعوبة التوصيف الدقيق لاتجاه استراتيجية إدارة ترامب نحو دول المنطقة وموقفه من الصراع الدائر فيها، بيد أن تقارير كثيرة بالمقابل تشير إلى بروز مؤشرات واضحة لها دلالات تصعيدية تصادمية، يأتي على قمتها علاقة واشنطن وإيران التي وصفها في حملاته الانتخابية «بأنها أكبر دولة راعية للإرهاب»، وتوعّدها بتصعيد العقوبات، وبإلغاء الاتفاق النووي الذي قال عنه بأنه الأسوأ في العالم.

الكونغرس الأميركي أقرّ منذ أسابيع وبغالبية ساحقة (419 صوتاً) ودون اعتراض أي عضو؛ على قرار بتوسعة العقوبات ضد طهران ولمدة عشر سنوات، حيث كان مقرراً انتهاء العمل بها نهاية الشهر الجاري. العقوبات الجديدة جاءت ضد القطاع المصرفي لإيران، وصناعات الطاقة والدفاع، ويُتوقع أن يكون مشروع القرار نافذاً مع توقيع الرئيس بارك أوباما عليه، وعدم استخدامه الفيتو ضد أصوات الغالبية التي أقرته، ما يعني أن تهديدات ترامب لم تأتِ من فراغ، وقد حان وقت تنفيذها.

تمدد العقوبات

ثمة مواقف باردة أعلنتها الإدارة الأميركية إزاء القرار، مفادها أن قانون العقوبات الجديد وتوسعتها لا ينتهك الاتفاق النووي، حيث أفاد عضوان من الحزب الديمقراطي في الكونغرس من أيّدا الاتفاق «إنه في الوقت الذي يتخلى فيه الرئيس أوباما عن بعض العقوبات تمشياً مع الاتفاق، يجب أن تبقى قوانين العقوبات سارية ليتسنى للولايات المتحدة إعادة العمل بها فور انتهاك إيران للإتفاق النووي». وتردّد في أوساط الإدارة الأميركية أصوات تشير إلى أن فرض العقوبات واستمرارها على إيران جاء بداية بسبب برنامجها النووي واستمر بسبب انتهاكها لحقوق الإنسان ودعمها «للإرهاب» في الشرق الأوسط ولبرنامجها للصواريخ البالستية. تجدر الإشارة إلى أن قانون العقوبات أقر منذ 1996، ولفرض عقوبات على الاستثمارات الإيرانية في قطاع الطاقة، وللحد من مساعيها في الحصول على الأسلحة النووية، وقد مدّدت العقوبات عام 2006، وكان يفترض أن تنتهي بنهاية 2016، بيد أنها توسّعت على رغم مطالبة وزير الخارجية جون كيري للكونغرس قبل التصويت، بعدم الموافقة على قرار تجديد العقوبات باعتبار أن تجديدها سيضعف الاتفاق النووي، خصوصاً أن الأخير ينصّ على قيام إيران بتقليص برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات الأميركية والدولية عنها، ومع ذلك يجد بعض المسئولين الأميركيين في هذا التمديد ورقةً إضافيةً تعزّز الموقف الأميركي ولا يخرق الاتفاق النووي.

أما رد الفعل المقابل في الجانب الإيراني، فقد وجده بعض المحللين ضعيفاً ومتفادياً التصعيد، على رغم ردود الفعل الفورية المتفاوتة في أبعادها النارية منها أو المهادنة، إذ سبق وهدد قبلها مرشد الثورة علي خامنئي قبل مدة بأن «الرد على تمديد العقوبات سيكون ساحقاً»، وردّ حينها على ترامب بأنه «سيحرق الاتفاق بكل سرور في حال قرّرت أميركا ذلك»؛ فيما أعلن برلمانيون من ذوي الرؤوس الحامية نيتهم إعداد مشروع قانون يعرض على البرلمان بشكل مستعجل، وينص على استئناف الأنشطة النووية بما فيها تخصيب اليورانيوم وبدرجات عالية تصل 95%، وما يؤهلهم لإنتاج رؤوس نووية خلال عامين، الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى صعوبات اقتصادية، وسيشكل ضربة موجعة لجناح الاعتدال الذي يمثله الرئيس حسن روحاني، وسيضعف موقف تياره ويهدّد احتمالية عودته كرئيس لفترة الانتخابات الرئاسية المقبلة في مايو/ أيار 2017. وقد بانت تأثيرات قرار الكونغرس عبر إعلان أحد قيادات الحرس الثوري، وآخر محسوب على التيار المحافظ، نيتهما الترشّح للرئاسة المقبلة، فيما نادى مجلس الشورى بوقف استيراد البضائع الأميركية في موقف رآه محللون بأنه شكلي، بسبب ضآلة حجم تلك البضائع.

ما تقتضيه المصالح

في هذا السياق، وعلى رغم جعجعة الخطابات النارية، ترى بعض الأوساط بأن طهران تتجنب منح أي ذريعة للدول الغربية لخرق الاتفاق النووي معها أو إلغائه، ولهذا جاءت تصريحات أخرى باتجاه مختلف تماماً، كما ورد عن متحدث بوزارة الخارجية بأن «القرار يتعارض مع الاتفاق النووي، وأن إيران أثبتت التزاماتها بالاتفاقات الدولية، لكنها سترد بالشكل المناسب على جميع الأوضاع»، مضيفاً: «أن التمديد يتعارض مع تعهدات واشنطن بعدم التدخل في العلاقات الدولية للبلدان الأخرى، وأن الحكومة الأميركية مسئولة عن تنفيذ الاتفاق النووي، بغضّ النظر عن المتغيّرات على الساحة الداخلية الأميركية».

كذلك عن قول رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية علي أكبر صالحي بأن «قانون العقوبات الأميركي ساري المفعول... نقوم بمتابعة التطورات عن كثب، وإذا قرروا تفعيل العقوبات، ستتخذ إيران الإجراءات المناسبة؛ ولأن الاتفاق النووي قد تم خرقه». فيما صرح المفاوض عراقتشي بوضوح تام: «لم يكن مقرراً منذ البداية أن ترفع العقوبات غير النووية. لقد تفاوضنا بشأن الملف النووي فقط والعقوبات المتعلقة بها، أما العقوبات الصاروخية فلا تزال قائمة، ولم نتفاوض بشأنها أو بخصوص العقوبات الأساسية والإرهاب المتعلقة بعلاقاتنا الثنائية بين إيران وأميركا، ودعمنا لحركات المقاومة التي يراها الغربيون في إطار المجموعات الإرهابية، وعليه فإن تمديد العقوبات لا يمت بصلة للإتفاق النووي ولا يجوز أن نربطه به».

وتشير تحليلات متصلة في إطار البلبلة التي أحدثها قرار الكونغرس الأخير، إلى أن الاتفاق النووي أممي، وليس ثنائياً بين إيران وواشنطن، فهو اتفاق مع خمس دول أخرى هي روسيا وألمانيا والصين وإنجلترا وفرنسا، وقد تم برعاية مجلس الأمن وبقرار رقم 2231، كما أن العقوبات كانت تحت الفصل السابع، وألغيت، وبالتالي من الصعوبة العودة للوضع السابق هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن تنصل واشنطن من التزاماتها من وجهة نظر سياسية، لن يؤثر في جوهر الاتفاق بقدر ما سيؤثر في العلاقات بين تلك الدول وأميركا أيضاً، فهناك مصالح سياسية واقتصادية تكمن خلف الاتفاق النووي بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها، ويأتي على قمتها وقف امتلاك إيران للسلاح النووي لأكثر من عشر سنوات، وفتح الأسواق الإيرانية أمام الاستثمارات الأميركية التي يسعى أطرافها لئلا يخسروها؛ كما أن إيران بالمقابل استفادت بما يسهل من دورها السياسي، ويضمن لها ضخ الأموال والاستثمارات في السوق الأوروبية.

وبناءً عليه، فإن هناك سيناريوهات كثيرة متوقعة بسبب تمديد العقوبات، وسياسة ترامب الصقورية التي بدأت ملامحها من حملته الانتخابية، وصولاً لاختياراته فريق عمله في قضايا الدفاع والأمن والسياسة الخارجية، المعروفين بمعاداتهم لإيران، ومعارضتهم للإتفاق النووي، وأبرزهم الكلب المسعور المتقاعد جيمس ماتيس المرشح لمنصب وزير الدفاع، ولهذا لا عجب إن وجدت صحيفة «الموندو» الإسبانية من أن إنهاء الاتفاق يعني ذروة الغباء من ترامب وإدارته.

ختاماً إلغاء الاتفاق قد يزيد من التفاف الإيرانيين حول قيادتهم التي طالما دعت لعدم التعويل على المفاوضات التي رأت فيها مراوغة، وقد يدفع النظام الإيراني لاتباع سياسةٍ أكثر عدائية بتصعيد كلامي وسياسي، تجدد من خلاله الصورة العدائية لواشنطن وشعار «الموت لأميركا»، وقد تعود إيران إلى سابق عهدها في إخفاء أنشطتها النووية، وطبيعة علاقتها مع وكالة الطاقة النووية، ما يعني عودة الحديث عن تنفيذ السيناريو العسكري ضد المنشآت النووية الإيرانية إلى المشهد، وهذا بالطبع ستكون له ارتدادات إقليمية خطيرة خصوصاً مع العلاقة المتوترة بين إيران ودول المنطقة، فالوضع أقل ما يوصف سيكون كارثياً مع عودة الأساطيل، وحاملات الطائرات للمياه الإقليمية، وتعزيز القواعد العسكرية الأميركية التي ستكون هدفاً لإيران فيما لو نشبت حرب، فضلاً عن استنزاف ثروات دول المنطقة، إن بقى لها شيء، في صفقات التسليح بعشرات المليارات من الدولارات طلباً للأمن. مع ترامب وتهديداته للجميع الله يستر.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1187986.html