صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5210 | الأحد 11 ديسمبر 2016م الموافق 08 محرم 1446هـ

«حوار الطرشان»

الكاتب: هاني الفردان - hani.alfardan@alwasatnews.com

قصصٌ وأمثالٌ، وحكم لن تجد لها أصلاً في الحكاية، لكنها تحمل في مضمونها، أنها عبر ودلالات نعيشها، نتلمَّسها في حياتنا اليومية.

من بين تلك العبارات نسمع دوماً عن «حوار الطرشان»، ولو بحثنا عن أصل تلك العبارة، لوجدنا قصصاً كثيرةً بمضامين واحدة، من بينها هذه القصة المعبرة عن الحكمة من تلك العبارة.

في إحدى القرى، عاش 4 «طرشان»، كان الأول راعياً للأغنام، والثاني مزارعاً، والثالث بائع ملح جائلاً، أما الرابع فكان قاضي القرية.

فقَدَ الراعي ذات يوم أحد خرافه، وبينما هو يبحث عنه رأى المزارع مُتسلقاً إحدى الأشجار، فقال له: لقد فقدتُّ خروفاً من خرافي فهل رأيته؟

فقال المزارع: تتكلم عن عجوز محدودب الظهر، رأيته متجهاً إلى هناك، وأشار المزارع إلى تل قريب.

فقال له الراعي: شكراً على مساعدتك، وأعدك أنَّني إنْ وجدت خروفي، فسأهديك حملاً صغيراً، ثم استطردَ موضحاً: حمل صغير وليس خروفاً، ثم ذهب الراعي الى التل وهناك وجد خروفه المفقود، حينها عاد الى المزارع ليفي بوعده.

فلما وصل إليه قال: لقد وجدت خروفي وإيفاء لوعدي فسأهديك حملاً صغيراً... حملاً صغيراً وليس خروفاً.

حينها قال المزارع بغضب: تتهمني بسرقته؟ أنا لم اسرقه.

فردَّ عليه الراعي: لقد وعدتك بأن أعطيك حملاً صغيراً وليس خروفاً.

واستمرَّ الجدال حتى مرّ بالقرب منهما بائع الملح الجوّال. فقال له الراعي: أريد أن تحكم بيننا وتنصفني.

فرد البائع قائلا: حسناً حسناً سأعطي كل واحد منكما حفنة ملح.

فقال الراعي: لقد وعدتُّه، إن وجدت خروفي، أن أعطيه حملاً صغيراً وها هو يطلب خروفاً كبيراً!

فقال المزارع: لا لا تصدقه فأنا لم أسرق الخروف.

فرد البائع قائلاً: تريدان كيس الملح بالكامل! ... كلا ليس هذا ما اتفقنا عليه.

واستمرَّ الجدال العقيم حتى اتفقوا على الذهاب إلى القاضي.

في هذه اللحظات كان القاضي يزجر زوجته قائلاً: يا لك من امرأة سليطة اللسان، اذهبي إلى بيت أهلك، انتِ طالق.

لمح الراعي والمزارع والبائع القاضي من بعيد فأسرعوا إليه ليحكم بينهم، فقال الراعي: لقد وعدتُّ المزارع، إن وجدتُّ خروفي، أن أهديه حملاً صغيراً، وها هو مُصرٌّ على أن أعطيه خروفاً كبيراً!

فقال المزارع: انه كاذب محتال، فأنا لم أسرق الخروف!

وقال البائع: لقد وعدتُّهما بأن أعطي كل واحد منهما حفنة ملح، وهاهما يطلبان الكيس بالكامل!

فردَّ القاضي بعصبيَّة قائلا: أرجع زوجتي؟ هذا مستحيل لن أفعل ذلك أبداً.

الطرَش غير الصَمَم، أو هو أَهوَنُ الصَمَم، كما يورد معجم «محيط المحيط». الأطرش يسمع قليلاً، خلافاً للأصم الذي لا يسمع مطلقاً. هذا القليل من السمع يمكِّنه من أن يتعلم الكلام، وأن يتبادله مع سواه. لكنّ الأطرش لا يسمع الكلام كاملاً ولا واضحاً، لذلك يُضطر إلى تقدير ما لم يسمع، ثم يجيب لا عن كلام الآخر، بل عن الكلام الذي قدَّر أن الآخر قاله، فإذا كان الطرفان كلاهما أطرش، فلابد أن يتحول الحوار بينهما إلى حديثين متقطّعَين يقتربان حيناً، ويبتعدان حيناً، ويستحيل في كل الأحيان وصولهما إلى نتيجة سليمة من ذلك التواصل.

حوار الطرشان لا يتوقف على المصابين بالطرش وحدهم، بل هو يهدد اليوم كل أشكال الحوار، في أي مكان، عندما لا يكون الهدف من ذلك الحوار هو السماع للآخر، بل الهدف كسب الوقت، وتجسيد حالة مرضية لا فائدة منها، والعبث في مضامينها هدف إبراز الآخر؛ كونه «ضعيفاً وعاجزاً».

ثقافة الحوار قائمة بين النّاس منذ الأزل، فالحوار هو بلا شكّ ضرورة حتميّة فرضتها طبيعة البشر، وفطرتهم المجبولة على التّحدث مع الآخرين، والاستماع إليهم، والحوار وسيلة لإيصال المعلومة الصّحيحة، فالإنسان حين يريد أن يوصل معلومة صحيحة إلى الناس، فإنه يلجأ إلى الحوار معهم من أجل إقناعهم بفكرته، وفي المقابل استماعه لهم في حال رغبوا بطرح أي سؤال للإجابة عليه، وإن تبادل الآراء هذا يولّد في النّهاية فكرة صحيحة على الأغلب، إذا كان الحوار مستندًا إلى قاعدة علميَّة موضوعيَّة، بعيدًا عن الهوى والميول والتعصب والعاطفة.

الحوار وسيلة لتصحيح الأفكار، الحوار يعلّم الإنسان التّواضع، وحسن التّعامل مع الآخرين والإصغاء لهم، والحوار يجعل الحكمة والحق ضالة الإنسان، فالإنسان المتحاور وهو يدخل قاعة الحوار يضع أمامه هدفين لا ثالث لهما، إما أن يُقنع صاحبه برأيه وفكرته، أو أن يقتنع هو بفكرة ومعلومة محاوره، وبالتالي تبقى المعلومة الصحيحة والفكرة الصائبة هي ديدن وهدف المتحاورين وضالتهم المنشودة أبداً. وهذا ما لم نصل إليه بعد، فيما لانزال نحاور بَعضنا كـ «حوار الطرشان».


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1189682.html