صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5213 | الأربعاء 14 ديسمبر 2016م الموافق 02 جمادى الأولى 1444هـ

سيوران الفيلسوف الكاره للفلسفة... و«لعنات واعترافات»

الكاتب: جعفر الجمري - jaffar.aljamri@alwasatnews.com

الفيلسوف والكاتب الروماني إميل سيوران (1911 - 1995)، صاحب الأعمال البارزة والعميقة، ذات الحضور المؤثر والكبير، ومن بينها: «المياه كلُّها بلوْن الغرق»، «غوايةُ الوجود»، و»اعترافات ولعنات»، وغيرها، في تهكُّمه على الحياة والندم... في وقوفه على طفولته وأحلامه وكوابيسه، وعلاقته التي لم تعد مُلتبسة مع أبيه، في وقوفه على الموت والخلود، وكذلك تهكُّمه على الفلسفة، وهو الفيلسوف، يضعنا أمام حقيقة تربطنا بملامح من الوجود البشري البدائيّ، في قرْن بات المستحيل فيه ضرْباً من الوهم، بكل ما حقَّقه العالم والمُختبرات من قفزات عملاقة في شتى المجالات. تلك العودة وإن مسَّت بُعداً تاريخياً، إلاَّ أنها تمسُّ في الوقت نفسه حقيقة الحياة وواقع إنسانها اليوم.

بحسب قراءات عربية لأعماله ومن بينها تلك التي أنجزها الناقد محمد لطفي اليوسفي، فإن سيوران اختار الابتعاد عن زمانه، وعن الزمن. كما سعى إلى تحطيم المعنى من أجل خوض تجربة اللامعنى. وسيرِد في الكتابة موقفه من الفلسفة، كما هي ضمن منهجياتها وقواعدها الصارمة أو ما كان يعتبره هذياناً؛ أو أقرب إلى الهذيان.

حتى وسيوران يُقدِّم مقاربة للزمن الراهن، من خلال فترة مبكِّرة في تاريخ الجنس البشري، إلا أن تلك المقاربة تعنينا ولصيقة بنا حتى يومنا هذا، وكذلك المقبل من الأيام. يكتب في «لعنات واعترافات»: «ما أشدَّ ما كان البشر يتبادلون الكراهية في الظُلْمة وعُفونة الكهوف! هذا ما يجعلنا نفهم لماذا لم يرغب الرسَّامون الذين كانوا يتعيَّشون داخل تلك الكهوف، في تخليد وجوهِ مَن يشبهونهم وفضَّلوا عليهم وجوه الحيوانات»!

تلك نظرة تبدو غارقة في التشاؤم، ولكن التمعُّن فيها يضعها في السياق العقلاني والواقعي. وليس من قَبِيل العبث تفكيك عدد من مُفكِّري منتصف القرن الماضي لمنظومات نفسية وأخلاقية وفكرية أيضاً، بل هو (أي التفكيك) أقرب إلى التعرية، وإذا ما خفَّفنا المفردة قليلاً، أقرب إلى رص مجموعة كبيرة من المرايا أمام ما يحدث في العالم. ولن تختلف الوسائط والوسائل المُتاحة اليوم عن تلك المرايا العاكسة من دون رتوش لحقيقة العالم اليوم، وحقيقة بشره، وحقيقة السياسات التي دفعت بالعالم إلى أقصى مراحل الجنون الرديء والبذيء.

انطلاقاً من الزاوية التي تناولها سيوران، بات البشر اليوم يتبادلون الكراهيات تحت الأضواء الغامرة... على شاشات التلفزة، وعلى مواقع «التواصل» الاجتماعي، والتي هي في كثير من ممارسات البشر في فضائها مشاريع «تقاطع» لا تواصل، مع كل ما يجمع، ويمهِّد لأرضية مشتركة؛ حيث يتم نسفها، بممارسة التشويه والتحريض والبذاءة، وممارسة أنماط من العنصرية من وراء حجاب عبْر ذلك الفضاء الموبوء بتلك النوعية من البشر، وأحياناً من دون حجاب.

وبالعودة إلى تناوله الزمن، لم ينفكّ سيوران عن القفز عليه بتلك المقاربة التي تُقدِّمه إلينا فيلسوفاً في واقع الأمر، على رغم موقفه من الفلسفة كما أشرنا، خذ على سبيل المثال، كتابته في «لعنات واعترافات»: «التدفق الخالص للزمن، الزمن العاري والمختزل في جوهر متدفق بلا انقطاع للَحظات، نُدركه في الأرق. كل شيء يختفي. ويتسرَّب الصمت إلى كل مكان. ننصت فلا نسمع شيئاً. تكفُّ الحواس عن التوجُّه نحو الخارج. نحو أي خارج؟ إنه انغمار لا يبقى فيه إلا هذا التدفق الخالص من خلالنا، وهو نحن أيضاً، ولن ينتهي إلا مع النوم أو طلوع النهار».

لذا نجده يقف على ذلك الزمن في مرحلة لا ينتهي ولا يتعاقب، باعتباره خلوداً. النظر إلى ذلك الخلود، وموقع الإنسان فيه، لا ينجو هو الآخر مما يشبه التبرُّم، والاحتجاج عليه، ويقدم سيوران تفسيره في هذا الشأن بالقول: «من يعِشِ الخلود يفوِّتْ سيرته الذاتية. وفي خاتمة المطاف لا تكون ناجزة أو مُكتملة إلا المصائر المحطَّمة».

في مقابل ذلك الخلود تتكرَّر تناولات الموت، وضمن صيَغ تهكُّمية لا تملك إلا أن تصاب بدهشة إمساك سيوران بتلك التناولات «منذ القِدم ونحن نموت. ومع ذلك لم يفقد الموت شيئاً من نضارته. هنا يكمن سر الأسرار».

أما عن موقفه من الفلسفة، فلم يكن استجواباً وإفحاماً لها بالمنهجيات والقواعد التي تتطلَّبها؛ إذ يترك عفويته تمارس مثل ذلك الاستجواب، ضمن مشاهداته وتأملاته التي يُصيِّرها إلى فلسفة مُضادَّة، بقوله: «من المُلاحظ أن الرطانة الفلسفية، وهذا عين الصواب، سريعة الانتشار، شأنها شأن اللهجة العامية. والسبب؟ الأولى مُفرطة في تكلُّفها، والثانية مفرطة في حيويَّتها، إفراطان مدمِّران».


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1190721.html