صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5233 | الثلثاء 03 يناير 2017م الموافق 15 محرم 1446هـ

على هامش مذكرات أول سفير للبحرين في مصر (1 - 2)

الكاتب: محمد نعمان جلال - comments@alwasatnews.com

ليس مألوفاً أن يكتب السفراء تجاربهم ومذكراتهم إلا لو وصلوا إلى منصب وزير خارجية أو ما فوق، ففي تلك اللحظة تكون لديهم أسرار كثيرة، ما يجعل القارئ يقبل عليها؛ ولكن بعض السفراء الأجانب وبعض العرب نشروا مذكراتهم، وهم قلة، وبعضهم الآخر نشر كتباً عن الدبلوماسية وخبرتهم في العمل الدبلوماسي. وأحد السفراء المصريين هو السفير هشام الزميتي كان مديراً للمعهد الدبلوماسي، وفي أثناء ذلك قرر أن يصدر كتاباً من المعهد ليس عن نفسه، وإنما عن زملائه بأسلوب مبتكر، إذ طلب من زملائه المتقاعدين أن يكتب كل واحد مقالاً عن أهم الأحداث التي عايشها، وساهم فيها أثناء عمله كسفير، وأصدر بذلك كتاباً بعنوان «كنت سفيراً لمصر» تضمن خبرات أكثر من مئة سفير عملوا في مختلف قارات العالم، وكل منهم لديهم خبرة وإنجازات متميزة اختارها ووضع حداً للمقالات، حتى يكون هناك شبه مساواة في عدد الصفحات والكلمات التي يكتبها كل منهم. والواقع أن هذا الكتاب يعد مرجعاً للدبلوماسية المصرية، ويدل على عدم أنانية السفير هشام الزميتي محرر الكتاب وصاحب فكرته.

والكتاب الذي نعرض له في هذا المقال، صاحبه ليس سفيراً فحسب؛ بل شاعر ورجل أعمال وأديب وكاتب، وهو غزير الإنتاج في مجالات الكتابة، ومتحدث أيضاً يجذب من يستمعون إليهم بحكم خبرته، وما لديه من حكايات ونوادر. وهذه خلطة فريدة وكتابه المذكرات يحمل عنوان «مذكرات سفير أول للبحرين والخليج العربي في عهد الاستقلال»، إنه السفير تقي البحارنة، وهو يستحق أن يطلق عليه سفير الحضارة والثقافة العربية؛ لأنه أديب وكاتب وشاعر، وعندما كنت أستعد للسفر للبحرين للالتحاق بجامعة البحرين، تحدث معي زميلي السفير المصري السابق في أفغانستان أحمد الغمراوي، وهو شاعر وصديق للسفير تقي البحارنة، وأوصاني بضرورة الالتقاء به، وأشاد بمناقبه، ولذلك عندما وصلت للبحرين كان السفير تقي البحارنة على رأس قائمة من سعيت للتعرف عليهم، وتطورت الصداقة وأهداني معظم مؤلفاته ودواوينه الشعرية، وحرصت على التهامها، فأعطتني زاداً فكرياً في الثقافة والآداب، وأيضاً في تاريخ البحرين وحياته الاجتماعية والاقتصادية، وأنا اليوم أدرك بعد قراءة المذكرات مدى ما تمتع به السفير تقي البحارنة من حكمة وحنكة بصفته تاجراً ورجل أعمال، ما أهله لأن يختاره المغفور له بإذن الله صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان أمير البحرين آنذاك. ولاشك في أن حسن اختيار السفراء يعد من أهم خصائص الدولة ذات الحضارة العريقة، والبحرين بحضارة دلمون تعد في قائمة تلك الدول الحضارية العريقة. ولا يسع الوقت للحديث مطولاً، ولكنني أعرض لمجموعة موجزة من النقاط:

الأولى: تتعلق بالتربية الدبلوماسية لأعضاء السلك الدبلوماسي البحريني إثر استقلال الدولة، وكان الفضل الكبير في ذلك لنائب رئيس الوزراء سمو الشيخ محمد بن مبارك (وكان آنذاك وزيراً للخارجية) وهو من نخبة قليلة ظلت في موقعها لفترات طويلة، وترك تراثاً ليس فكرياً، وإنما من تربيته وتعليمه لكوادر من خيرة الدبلوماسيين البحرينيين، ولذلك فهو من الذين يمكن أن يطلق عليهم أنهم آباء الدبلوماسية العربية، ومنهم صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الذي أصبح بعد ذلك أميراً لدولة الكويت، والأمير الراحل سعود الفيصل والمغفور له أحمد عصمت عبدالمجيد وبطرس غالي نقول إن سمو الشيخ محمد بن مبارك جدير باللقب الذي أطلق عليه بأنه أبو الدبلوماسية البحرينية. ولقد تعرفت على كثير من سفراء بحرينيين قبل حضوري إليها، وكانوا ذوي كفاءة عالية، ولم أكن أعرف السر وراء كفاءتهم، فاكتشفته بعد حضوري كدبلوماسي في مقابلات كثيرة مع وزراء خارجية مصريين في مقابلات بالقاهرة وفي نيويورك وغيرها. ألا وهو سمو الشيخ محمد بن مبارك متعه الله بالصحة والعافية، وهو متعدد المواهب، متواضع السلوك غزير المعلومات، دمث الخلق ولا أستطيع أن أوفيه حقه في هذه العجالة.

الثانية: أنني مع تقديري للسفير تقي البحارنة وقراءتي لكثير من إنتاجه الغزير، كنت متشوقاً لقراءة المذكرات والتي هي بحق تتسم بثلاث سمات:

أولها: أنها أقرب لليوميات من حيث تسجيل الحوادث واللقاءات والمواقف والوقائع ونتائج ذلك كله. من ثم فهذا أسلوب غير تقليدي؛ بل مبتكر في كتابة المذكرات.

ثانيها: التسلسل التاريخي في متابعة وسرد الحوادث منذ نشأة الكاتب، وحتى توليه السفارة، وهذا التسلسل التاريخي امتاز بالدقة والحيادية والصدقية من دون مبالغة في الإشادة بذاته أو إنقاص لقدر الآخرين؛ وإنما كتب بصدق مبتعداً عن أي نقد جارح لأية شخصية ممن تعامل معهم من السفراء أو الوزراء أو كبار المسئولين. وقد غلف نقده بأسلوب هادئ أقرب للمزاح والفكاهة.

ثالثها: إن السفير تقي البحارنة من واقع قراءتي لمذكراته كان بحق سفير حضارة، وهذا التعبير من ابتكاري في توصيفي للعمل الدبلوماسي المبدع؛ لأن السفير ليس مجرد تمثيل لرئاسة الدولة فقط كما هو التعريف التقليدي للسفير؛ وإنما هو تمثيل للشعب والحضارة لدى دولة أخرى بشعبها وقياداتها وحضارتها، وهذا ما أعتقده وعبرت عنه في كتاب عن الدبلوماسية والبروتوكول بأن السفير مبعوث حضارة إلى حضارة أخرى. وعند قراءتي للمذكرات، شعرت بأن تقي البحارنة يتنفس رحيق حضارتي البحرين ومصر، فمن الأهرامات إلى نجوى فؤاد والإعجاب بكليهما، وهذا يعني أنه مثقف ذواق.

كما أن السفير يعبر عن دولته وشعبه، وهو يعبر عن مصالحها وتطلعاتها، وهنا يمكن القول إن البحارنة قدم نموذجاً فريداً في سلوكه ونظرته، وهو لم يكن سفيراً تقليدياً يقوم بزيارات المسئولين وأقرانه من السلك الدبلوماسي؛ بل كان عنده الحس الاقتصادي والتجاري ومصالح البحرين، ولعل خير نموذج لذلك لقاؤه مع سفير الصين الشعبية في القاهرة في عقد أول صفقة لتصدير الألمنيوم من البحرين للصين، وبناء علاقات اقتصادية قبل العلاقات الدبلوماسية بنحو ربع قرن من الزمان. وهذا يعبر عن سفير صاحب رؤية يعرف مصلحة بلاده وشعبه، وهو في الوقت نفسه موضع ثقة وتشجيع من قيادته، والأهم أنه يفكر خارج الصندوق والعلاقات التي أقامها مع عدد من السفراء وفي مقدمتهم سفير الصين، وسفير البرتغال والسفير السوفياتي في القاهرة تدل على ذلك أيما دلالة.

الملاحظة الثالثة: إن المذكرات احتوت تفاصيل التفاصيل إذا شئنا القول من حيث قواعد العمل الدبلوماسي والبروتوكولي بشتى مجالاته، ومن ثم فهو يعد كتاباً أو موسوعة متعددة الجوانب البرتوكول - الثقافة والشعب والفن - التجارة وهكذا، ولذا فإني أطلق على تقي البحارنة بأنه السفير متعدد الأبعاد، وليس سفير البعد الواحد الذي يعمل في إطاره كثير من السفراء التقليديين. كذلك أسلوب كتابته خارج عن الكتابة التقليدية في مذكرات السفراء والدبلوماسيين والسياسيين، وربما لأنه كان دبلوماسياً محترفاً ووجد في نفسه رغبة في الكتابة بلا قيود أو تحفظ، ساعده في ذلك أن بعض ما نشره لم يعد سراً في نشره لبعض محاضرات الاجتماعات أو اللقاءات التي تمت في فترة عمله سفيراً. (يتبع)


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1197158.html