صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5234 | الأربعاء 04 يناير 2017م الموافق 09 رجب 1444هـ

شاه جهان

الكاتب: محمد عبدالله محمد - Mohd.Abdulla@alwasatnews.com

اليوم، تحلّ الذكرى الـ 424 على ولادة شاه جهان أو شهاب الدِّين محمد. وهو واحد من كبار ملوك الهند في القرن السابع عشر الميلادي. وهو بالإضافة إلى كونه ملكاً فهو سليل أسرة تولَّع كثير من أفرادها بالأدب والثقافة. ولخاله الشاعر ميرزا راجه شكلٌ من ذلك الولع، فضلاً عن عنايته بالشعراء وأبرزهم الحاج محمد خان (قدسي مشهدي) الذي له أشعار «مثنوية» جميلة.

من أهم ما تركه شاه جهان هو مبنى تاج محل الذي شيَّده تخليداً لزوجته ممتاز محل والتي أحبّها حباً جماً. يقع تاج محل من مدينة أگره في شمال الهند على بعد 200 كم عن العاصمة دلهي. وقد بُنِيَ التاج بالمرمر الأبيض تتوسطه قبّة ضخمة وبجانبها قبب صغيرة تحوطها مآذن صغيرة. أما جسد المبنى فتسنده أضلاع متعددة من الأبنية الذي تنحدر منها نافذتان مقوّستان.

وفي الواجهة نُحِتت على المستطيل المقلوب نافذة مُجوّفة إذا ما لامستها أشعة الشمس، رُسِمَت أشكال مماثلة لها على الجدار الداخلي ولكن بحجم أصغر. وفي السور الخارجي هناك مآذن أربع تتموضع كل واحدة منها في زاوية. وفي الباحة الأبعد، رُصِفَت طرق أنيقة، تحوطها الأشجار، وتتوسطها المياه الجارية التي تشقها عدد من العلامات التراثية التي هي أشبه بالقوارير المنحوتة.

أما جدران التاج فهي منقوشة بعناية فائقة، ليظهر المكان من بعيد وكأنه تحفة تتوسط تيها من الصمت. وقد امتزجت في بنائه ثلاث ثقافات: هندية وفارسية وتركية، وأتقن مزجها أحد أهم مَنْ انتجبهم الملك من المهندسين وهو أمان الله خان. ويُعتقد أن بناءه بدأ في العام 1632 وانتهى في العام 1648. وقد شبّه شاعر الهند الكبير روبندرونات طاغور تاج محل بأنه بمثابة دمعة على خد الزمن.

وعلى رغم ما شكَّله تاج محل من أسطورة بناء، ظلَّ دافع بنائه وهو حُبّ الملك المغولي لزوجته أيقونة في صور الحب والغرام التي حَكَمَت علاقات الكثيرين، وفي مواقع عدّة. لقد كانت مظاهر ذلك الغرام والعشق مختلفة، فبعضها كان كما فعل شاه جهان حين بنى هذا الصرح، وآخرون كان لهم ردات فعل مختلفة ليس الجنون ببعيد عنها.

الحقيقة أن العلاقات العاطفية كثيراً ما يتبعها سلوك ينطوي على شيء من الغرابة. فللوهلة الأولى يكتشف المرء أن مسألة العشق تمتلك من الزخم والوهَج والقوة ما يجعلها قادرة على كسر أعتى الأشياء وأكثرها قوة. وهي لا تتعلق بالناس العاديين، بل بأبناء الذوات كذلك.

ففي اللحظة التي يوجد فيها شخص فقير من النيجر لا يملك قوت يومه، نجد مورجان تسفانجيراي وهو رئيس وزراء سابق في بلاده يذوب قلبه في عشق كاريماتسينجا. وفي اللحظة التي نجد فيها جندياً بسيطاً في بلد ضعيف كـ فيتنام يدخل في عالَم العشق مع فتاة، نرى قائد القوات الأميركية في حَربَيْ أفغانستان والعراق الجنرال ديفيد بتريوس يدخل في علاقة غرام مع باولا برودويل إلى الحدّ الذي يجعلها تضطلع على أسرار عسكرية حساسة! بل هناك أيضاً صور غريبة للعشق والعاشقين قد لا يتخيلها عقل.

فقبل سنوات وقعت حادثة غريبة في مكسيكو سيتي. فقد اتهِمَ الكاتب المكسيكي خوسيه لوي بأنه قام بقتل عشيقته اليخاندرا جالينا وأكل لحمها! كيف. قالت الشرطة حينها بأنها اقتحمت شقة لوي ووجدت هناك طبقاً عليه لحم بشري مقلي وإلى جانبه مِدْيَة. وخلال التفتيش وجدوا جثة العشيقة مخبأة في إحدى خزائن غرفة النوم. وعندما واجهوه بذلك أقرّ لكنه وبكل وقاحة نفى ممارسته أكل لحوم البشر، قائلاً أنه أراد إطعام الكلاب شيئاً من لحم عشيقته!

وكان يمكن أن يحالفنا الحظ ونقرأ كتاب خوسيه لوي الذي أطلق عليه اسم: «غرائز أكلة لحوم البشر» والذي كان يعكِف على إتمامه عندما كان مسجوناً بتهمة قتل جالينا، إلاّ أن انتحاره في السجن حالَ دون أن يفهم علماء النفس حقيقة سلوكه، الذي ينطوي على كثير من الساديّة تجاه فتاة عَشَقَها حتى الموت.

في العام 2001 قال مغني فريق البيتلز (فرقة روك غنائية بريطانية) بول مكارتني أنه كان يبكي زوجته الراحلة ليندا كلما اقترب من عشيقته الجديدة هيذر مايلز بعد مضي أربع سنوات على وفاة زوجته! وكانت العشيقة المسكينة تصبر عليه وعلى دموعه، بل كان يقول لها وبكل فتور بأنه مُتيقن بأنه سيحبها حتماً في لحظة ما حتى ولو تأخرت لتكون محلّ زوجته الراحلة!

وبول مكارتني هذا هو أسوأ من تجربة قيس بن ذريح الذي حين تزوجت عشيقته لبنى خرج هائماً على وجهه بين أحياء العرب يبحث عن امرأة تحمل اسم عشيقته. وعندما ظفر بإحدى النساء المسمّاة لبنى تزوّجها وقال كلمته المعروفة: عشق بعشق وامرأة بامرأة. وبين كل تلك الصور تنطوي أشياء نفسية عجيبة تُحيل صورة العشق والحب إلى أشياء مناقضة لذلك تماماً.

أختم بنصّ جميل للنويري يصف فيه العشق. يقول إنه: «يُورث الهمّ الدائم، والفكر اللازم، والوسواس، والأرق، وقلة المطعم، وكثرة السهر. ويتسلّط على الجوارح فتنشأ الصفرة في البدن، والرّعدة فى الأطراف، واللّجلجة في اللسان، والنّحول في الجسد. فالرأي عاطل، والقلب غائب، والدموع هواطل، والحسرات تتتابع، والزّفرات تتوالى، والأنفاس لا تمتدّ، والأحشاء تضطرم. فإذا غشّى على القلب غشاء ثانياً أخرج إلى الجنون». فبالله عليكم ماذا يصنع العشاق بعد هذا؟!


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1197519.html