صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5240 | الثلثاء 10 يناير 2017م الموافق 17 جمادى الأولى 1445هـ

قوى الصراع ورهانات «الأستانة»

الكاتب: منى عباس فضل - comments@alwasatnews.com

مباشرة بعد معركة حلب واستعادة النظام السوري السيطرة عليها، وتداعياتها التي اعتبرها المراقبين نهاية مرحلة وبداية تحول استراتيجي لملفات المنطقة وتسوياتها السياسية، وإثر مخاطر تكتيكية ومحاذير استراتيجية بين أطراف الأزمة السورية الإقليمية التي عكستها تفاهمات معلنة وأخرى مبطنة، جرت وراء الكواليس لمحاربة الإرهاب وتطبيق هدنة لوقف إطلاق النار، بدأ الاستعداد لمباحثات روسية-تركية مزمع عقدها في مدينة «الأستانة» عاصمة كازاخستان خلال الشهر الجاري، بهدف وضع أسس للحل السياسي للأزمة، ذلك على رغم وجود خلافات عميقة بين أطراف الصراع، الأمر الذي يطرح تساؤلات عدة بشأن احتمالية نجاح الهدنة وتحقيق أهداف هذه المباحثات؟

في المعطيات العامة ثمة من يرجح احتمالات نجاح الهدنة، لماذا؟ لأنه يرى أن الاتفاق الحالي جاء مختلفاً وأكثر ثباتاً منه عن الاتفاقات السابقة. الأسباب كما قيل كثيرة، وتتركز بشأن فشل التفاهمات الروسية-الأميركية السابقة لوقف إطلاق النار، واستمرار خلافاتهما بشأن التنسيق الأمني، إلى جانب التقارب الروسي-التركي وخصوصاً بعد المحاولة الانقلابية التي استهدفت الرئيس أردوغان العام الماضي، وتنامي الشكوك التركية تجاه واشنطن لجهة دعمهم وحدات الشعب الكردي في سورية، وللمستوى الذي اتهمت فيه أنقرة واشنطن بدعم «داعش» وعدم جديتها في محاربة الإرهاب، أضف إليها خيبة أملهم من حلف الناتو الذي لم يدعم دخول قواتهم في الشمال السوري ضد الأكراد، ومحاولتهم السيطرة على «مدينة الباب» فقد شكل هذا التدخل والموقف الروسي منه مؤشراً على تحول العلاقة التركية-الروسية وتسهيل التفاهمات بينهما.

ضمانات روسية وتركية

أما أهم أسباب احتمالات نجاح المفاوضات، فتتمثل تبعاً لتقارير صحافية في حجم التأثير والنفوذ الروسي وضمانته في امتلاك قدرة الضغط على النظام السوري والفاعلين الإقليميين من جهة، ومن جهة أخرى الضمانة التركية في قدرتها على التأثير بفصائل المعارضة السورية والتحكم بمواقفها، وخصوصاً أن تركيا ترى في الأزمة السورية خطراً يهدد وحدتها واستقرارها بعد سلسلة التفجيرات التي نفذتها «داعش» وحربها مع حزب العمال الكردستاني، ومخاوفها من احتمال إقامة دولة قومية كردية في الشمال السوري، إضافة إلى نتائج «اتفاق أنقرة» و «إعلان موسكو» الذي ضم روسيا وتركيا وإيران وبما رسمه من حل سياسي تضمنته وثائق عدة، لوقف إطلاق النار، وآليات لتسجيل الخروقات والمراقبة بنشر مراقبين من الروس والأتراك ونقاط تفتيش قرب مناطق الاشتباك، وإدخال مساعدات إنسانية للمناطق المحاصرة، إضافة لاستئناف التفاوض المزمع في «الأستانة»، فيما اتجهت روسيا وتركيا لمجلس الأمن الذي رحب بالاتفاق، وأصدر بشأنه نص قرار «برقم 2336» مع التأكيد على مرجعية الحل السياسي.

لاشك أن مقاربة الضمانة الروسية لها صلة بوضع روسيا ودورها في الأزمة السورية الذي انطلق من منصة مصالح استراتيجية واقتصادية وجيوسياسية كبرى، يأتي على قمتها النفط والغاز، وفي تأكيد لعودتها بقوة للساحة الدولية عبر تدخلها العسكري في منطقة الشرق الأوسط، حيث استطاعت من خلال هذا التدخل تحقيق مكاسب سياسية كبيرة عززت من وضعها، وأعادت بناء توازنها الاستراتيجي الدولي على رغم تكبدها خسائر مادية وبشرية، تمثلت باغتيال سفيرها لدى تركيا الشهر الماضي الذي ساهم في إحداث تغير نوعي لصالحها، في انعطافة الموقف التركي تجاه معادلة الصراع الإقليمي.

روسيا استثمرت وتحصلت على مكاسب سياسية أخرى جراء تراجع واشنطن في المنطقة، ولاسيما مع إعادتها ترتيب ملف الأزمة السورية وتدويره تبعاً لمصالحها الاستراتيجية في ظل سياسة أوباما المعلنة بعدم التورط مباشرة في صراعات المنطقة، الأمر الذي جعلها تعزز من مراكز تواجدها العسكري بحرياً وجوياً في سورية، فضلاً عن استغلالها فترة الفراغ الرئاسي الأميركي حالياً، واستفادتها من غضب الأتراك تجاه الغرب وخلافاتهم الجانبية مع حليفهم الأميركي، لقد عملت بهمة ونشاط عسكري ودبلوماسي بما يضمن لها حلاً سياسياً، قد يمكنها من توفيق أوضاعها مع أطراف الصراع الإقليمية، ويؤمن مصالحها واستمرارية نفوذها الاستراتيجي العسكري.

خلافات وشكوك

بيد أن الأمر لم ينظر إليه بإيجابية لجهة نجاح الهدنة وإنهاء الحرب من وجهات نظر مختلفة، تماماً كما ورد في تقرير مركز «ستراتفور» الأميركي للدراسات الاستراتيجية، الذي وجد أن لكل من الحليفين الإيراني والروسي اللذين يدعمان النظام السوري عسكرياً وماليّاً وسياسيّاً رؤية مغايرة، وهما أصلاً على خلاف في نقاط كثيرة متعلقة بالنزاع، وبأهدافهما من مسألة دعم النظام السوري، فمن جهة روسيا فهي تسعى للخروج بسرعة من المستنقع السوري وتجنب الاستمرار في صراع مفتوح في ظل أوضاعها الاقتصادية، على رغم سعيها المستمر لتثبيت وضعها ومكانتها إقليميّاً ودوليّاً في محاربة التطرف والإرهاب، وتعزيز نفوذها مع الغرب.

فيما تجد إيران أن مشاركتها في الصراع مشاركة وجود لما له علاقة بأمنها الجيوسياسي، ولهذا فهي تتعاطى مع نظام الأسد ضمن تفاهمات بعيدة تماماً عن الرؤية التركية، الأمر الذي انعكس خلافاً بينهم وبين الأتراك بشأن تطبيق نص اتفاق الهدنة، الذي مثل أحد بنوده مطلباً للمعارضة في «ضرورة العمل على إخراج جميع العناصر الأجنبية من سورية»، ما يعنى للأتراك خروج القوات الإيرانية وقوات حزب الله من الأراضي السورية، فيما ردت إيران على لسان مسئولها في الخارجية «بأن وجود المستشارين الإيرانيين والمقاومة اللبنانية يتم بالتنسيق مع الحكومة السورية وبطلب منها، وأن من ينبغي عليهم ترك سورية هم الذين دخلوها من دون إذن أو تنسيق مع الدولة السورية»، كذلك تشير تحليلات متصلة إلى تخوف أوساط إيرانية متشددة من مساعي موسكو- أنقرة لإنهاء الصراع، والشك بوجود تفاهمات غير معلنة بينهما تجاه الوضع السوري، فضلاً عن الاختلاف بشأن استثناءات من يشملهم وقف إطلاق النار من فصائل المعارضة وعلى رأسهم «جبهة النصرة».

خلاصة الأمر، تحديد موعد لمباحثات «الأستانة» حتماً تمخض عن تفاهمات إقليمية ودولية أكثر جدية وإلحاحاً من سابقاتها، وهو متأسس على مصالح استراتيجية، لكن الرهان على احتمالات التوصل في «الأستانة» لحل ينهي الأزمة السورية لايزال يواجه تحديات وصعوبات، بسبب استمرار خروقات الهدنة بقطع المياه عن دمشق، واستمرار الاشتباكات في جبهات متعددة، ومواصلة تدخل الأطراف الإقليمية، وتمسكها بالشروط ذاتها التي أفشلت المؤتمرات السابقة.

الحرب على سورية مركبة ومعقدة وظروف التسويات الإقليمية والدولية لم تنضج بعد، فواشنطن وحلفاؤها الغائبون عن مشهد «الأستانة» لايزالون مستمرين في تنفيذ استراتيجيتهم الفعلية بإعادة إنتاج الفوضى في سورية، الأسوأ منه قرار الكونغرس الأميركي الأخير بمجلسيه تزويد بعض جماعات المعارضة المسلحة بصواريخ مضادة للطيران، وعليهم حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن عزمه إقامة مناطق آمنة سورية، ما يعني أن الوضع ينذر بمزيد من التدهور الأمني بالمنطقة خصوصاً، في ظل خلط الأوراق الإقليمية والدولية للمرحلة المقبلة.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1199577.html