صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5241 | الأربعاء 11 يناير 2017م الموافق 09 رجب 1444هـ

في التعبير عن النفس... سيرة ذاتية

الكاتب: سوسن دهنيم - Sawsan.Dahneem@alwasatnews.com

لكُلٍّ طريقته في التعبير عن نفسه. بَعضٌ يوجز فيحسن، وبعض يُسهب فلا تقف على شيء من التعبير ولا من النفس.

هناك من يتصنّع في تقديمه لنفسه أيضاً. وهناك من يُقدِّمها بعفوية آسرة. وأجمل ما يمكث في الذاكرة والنفس هم أولئك الذين لا يتعاملون مع الناس إلا بعفويتهم. العفوية التي تكتنز بالنقاء وعذوبة الفطرة. العفوية التي تتيح لأيٍّ منَّا أن يدخل إلى قلوب الناس من دون تكلف، ومن دون حاجة إلى مُقدِّمات. لذلك تجد العفوي أقدر الناس على تمثيل نفسه وتقديمها.

كل الذين يتصنَّعون في الحياة هم أبناء لحظتهم. ولا يمكن التعويل على عمر اللحظة بهكذا خيار في الحياة.

لم يخسر الناس من قدَّموا أنفسهم إلى الناس كما هم. يخسر أولئك الذين يذهبون إلى النقيض، انتحالاً لما ليس فيهم، وادّعاء لما لا يملكونه، في محاولة منهم للتأقلم مع بيئات وبشر هم نسخة مطابقة عنهم.

وفي التعبير عن النفس وتقديمها ما يجعلنا نقف على قدرة الإنسان على التواضع أيضاً، ليس تنازلاً عما تحصَّله وحقَّقه، بقدر ما هي لحظة يسمو فيها الإنسان كلما تعالى على ما يظنه وقفاً عليه، ولا أحد في وارد أن يدنو منه ويماثله.

ثم إن التعبير عن النفس يتيح لنا أن نستشف النضج والفطنة واتساع الخبرات، ولو بالقليل مما يعرّف بنا. بضع كلمات يمكن لها أن تشكل صورة محيطة، ويمكن لثرثرة أن تمحو وتزيل وتشوّه تلك الصورة، وخاصة إذا تضخّمت فيها الأنا.

غلظتنا وانفعالنا الشديد هما طريقتان من طرق التعبير عن أنفسنا وتقديمها للناس. وأي تبرير لا طائل من ورائه. الناس يستقبلون انطباعهم الأول عنا. قد يكونون محقين وقد يكونون مخطئين، لكننا لا نستطيع أن نلومهم بذلك الانطباع الذي قدمناه نحن إليهم. كان يمكن لنا أن نقدّم لهم صورة أخرى؛ ومسألة ألا تكون صورة حقيقية وكاذبة وخادعة، فليسوا مسئولين عنها هم، نحن نتحمل مسئولية ذلك الادعاء والكذب والخديعة، ولذلك نتائج إن لم تتضح اليوم، فستتضح غداً. وغداً في عمر الزمن ليس بعيداً.

فرط الجفاء والصلف والعنف اللفظي الذي كثيراً ما يليه عنف جسدي، هو طريقة تعريف وتقديم أيضاً. كيف يمكن للبشر أن يكونوا على انسجام مع هكذا تقديم. بطاقة تعريف هي عبارة عن صورة من البطش والبذاءة والانحلال أيضاً. يمكن لنا أن نتعامل مع تقديم مثل ذاك على أنه «سيرة ذاتية» قدمت بفوضى وقلة احتراف. سيرة ذاتية تنفّر الناس وتقصيهم حتى عن الأمكنة التي يمكن أن يتواجد فيها مثل أولئك البشر.

في التعبير عن النفس وتقديمها فنٌّ لا يرقى إليه إلا الذين ترسخت علاقاتهم، وتعمقت قيمتهم لدى البشر؛ لأنهم يدركون ويعرفون قيمتهم في المجموع الإنساني، ليس باعتبارهم ضرورة للتعايش وحسب، بل باعتبارهم علامة من علامات تكريم الخالق لهم ولقيمتهم، وحريٌّ بنا أن نساير ذلك التكريم الإلهي، ونكون على مقربة منه ما وسعنا الأمر، لا أن نمعن في الأذى والتجاوز، والتفريط في تلك القيمة، ما يعني في صورة من الصور تفريطاً وتعدِّياً على الخالق نفسه.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1199952.html