صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 49 | الخميس 24 أكتوبر 2002م الموافق 07 جمادى الأولى 1444هـ

لباس المرأة يعكس تصورها لنفسها... والآخرين عنها

عندما يتحرك التنظير بعيدا عن أية قوة استدلالية تمتلك الرؤية الواضحة والمستند الواقعي، فإن ذلك التنظير سيفتقد الصدقية أولا، وسيكون اجتهادا شخصيا يفتقر لأس الرؤية المعرفية الرصينة ثانيا، بالإضافة إلى خلق حال من اللاتوازن في تداول عناوين تستند إلى مصدر ايديولوجي يرسم الخطوط العامة للمجتمع.

ومن ضمن تلك التنظيرات الدعوات والتحليلات المتتابعة لبعض الكتاب في الصحف والمجلات عن الحجاب والحرية الشخصية للباس، ولكي لا نستغرق في المقدمات، أحببنا ان نورد النقاط الآتية:

أولا: ان أي تحرك فكري يصطبغ بالمفهوم الايديولوجي المفضي لوجود سلوك خارجي، يستند إلى أدلة ورؤى تعطي ذلك التحرك مشروعيته الأيديولوجية وقوته التحليلية في تبيان الصورة الواقعية له، وتحرك القضية من مفهوم شخصي بحت سيُبعد الموضوعية في الطرح، وهذا ليس مدعاة لحجر الفكر ورؤيته؛ بل هي دعوة لأن يتحرك الفكر عبر قواعد سليمة تمتلك من قوة الاستدلال والمنطق ما يجعل ذلك الفكر ملامسا لمفردات واقع يأخذ مرجعيته من ايديولوجية واضحة المعالم والدلالات كـ «الإسلام».

ثانيا: الموضة والتطور كمدعى ينطلق منه البعض لان يجعل دائرة الاستغراق في الذات «الأنا» بعيدة عن التفاعل الجاد والواقعي مع معطيات التغير على الساحة الاجتماعية، يلزم مثل هذ الامر الوقوف قليلا عند أصل هذا المدعى فإن كان الأمر مستندا على قاعدة مشتركة تجعل من الإسلام ساحة التحرك المطلوبة، تعتمد على النص الشرعي وتحليل أهل الاختصاص فيه، فإن الرؤية عبر النصوص المقدسة والشرعية تضع لنا الصورة كاملة بكل تفاصيلها عن لباس الرجل والمرأة، وان كان ذلك المدعى «الموضة والتطور» بعيدا عن الرؤية الأيديولوجية «الإسلام» ويقترب إلى درجة الاتصال بالرؤية الغربية في هذا الموضوع، فيقول «Mike Matthews» في مقال له عن انطباعات المرأة المتكونة من خلال مجلات الأزياء والموضة: «يجب ألا تنخدع المرأة بما هو معروض في المجلات عن الأزياء والموضة، التي تجعل من كل شخص يبحث عن الجنس، وعليكِ ان تلبسي ثيابا مغرية لتحصلي على الرجل الجيد، ليس صحيحا، فقط الذين يريدون ان يحصلوا على متعتهم الجنسية يشجعون النساء على ارتداء مثل تلك الملابس، وليس عليك ان تظهري جسمك لتحصلي على الرجل الجيد».

ولأخذ صورة حية لما يحصل في الغرب، يقول «Jim Dodge»: «هنا في الولايات المتحدة، صورة الجسد تسبب الارباك والإثارة، وهي مصدر للمتاجرة، فالعري يمتلك قيمة عليا».

ثالثا: القياس المفتقد لأصله المعرفي في الطرح، عبر القول بأن ليست كل محجبة بملاك وليست كل سافرة بفاجر، يستدعي التوضيح، فالتزام المرأة المسلمة بتكليفها الشرعي عبر لبسها الحجاب الظاهري هو التزام مطلوب، وان لم ينسحب هذا الالتزام على السلوك، فهذا ليس بمنطلق لترك الحجاب أو التهوين منه، مثله مثل الصلاة فهي تكليف شرعي ينهى عن الفحشاء والمنكر بالمفهوم القرآني، وإن لم يتحرك هذا المقتضى القرآني في حياة الفرد فليس هذا بمدعاة لترك الصلاة كونها لم تحقق مقتضاها المطلوب.

رابعا: إن تحرك الحجاب كوسيلة لإرضاء الوالدين، أو ان يكون حيلة للتستر على التصرفات المنحرفة، هو أمر موجود، ويستلزم القول بأن الحجاب من ضمن مراحله الأساسية ليكون حجابا قرآنيا، هو:

أ- إلهية الحجاب: يُنظر للحجاب كما يُنظر لأية عادة وتقليد متوارث، ويكون الرادع عن مخالفته هو الخوف من نقد وذم المجتمع، وعندما تتوافر بعض المعطيات الملموسة فبالإمكان ان تتحرر الفتاة من هذه العادة، فأهم مكونات الحجاب هو وعي الصفة الإلهية التي يمثلها، وإن عبودية الفتاة لله سبحانه تقتضي منها وبصورة حاسمة الامتثال للتكليفات الإلهية.

ب - وعي أبعاد الحجاب: هذا الوعي يتطلب أن تستوعب المرأة الحجاب بكل أبعاده وجوانبه ليصبح للمرأة حجاب معنوي في داخلها وحجاب للصوت والمشية والوجه والشعر والجسد في مظهرها، وحجاب للعلاقات والاخلاق في سلوكها الاجتماعي. (ثقافة الحجاب، سعيد النوري، دار المحجة البيضاء.ط 1، 2001م).

وللأسف الشديد «تأخذ بعض العائلات المسلمة على ابنائها لبسهن للحجاب بذريعة وجوب محاكاة التقدم والتطور، ونزع الحجاب من مقتضيات ذلك الأمر».

خامسا: يدعي البعض أن المرأة بإمكانها فرض احترامها حتى لو كانت تلبس القصير والضيق، ولو أظهرت مفاتنها، مثل هذا الادعاء تنظير لا يلامس الواقع بأدنى مفردة، فلقد «برهن علم النفس الجنسي على ان جسم المرأة كافة مثير للرجل بينما لا يصدق هذا الأمر على الرجل فالذكور البالغون يبدون تحسسا أكبر من المؤثرات الجنسية المنتقلة عن طريق العين وتبدي المرأة تأثرا أكبر بعوامل الإثارة اللمسية».

ويقول «Mike Matthews» بشأن لباس المرأة: «طريقة لبس المرأة لثيابها تعكس تصورها عن نفسها، كما يعطي إذنا للرجال بالتصور عنها»، ويخاطب المرأة قائلا: «إذا عرضت نفسك للآخرين بصورة مثيرة من خلال لباسك، فطبيعي أن الكثير من الرجال يريدون جسدك للمتعة بغض النظر عن كونك امرأة لك شخصيتك وفردانيتك في التفكير»، ويعقب: «الرجال مخطئون إن فكروا بشهوانية إزاء المرأة التي تلبس ثيابا فاضحة، لكن الرجل المهذب يريد ان يبتعد عن مثل هذا التفكير، ونأمل من المرأة أن تساعده على ذلك بعفتها ولبسها للثياب المحتشمة».

والانسان في الافكار والرؤى المعنوية كافة - ومنها الإسلام - لا يرتدي اللباس من اجل ان يعرض جسمه، وإنما يرتديه لكي يستره، فالباس بالنسبة له صيانة وبمنزلة سور القلعة الذي يحفظ جسمه ويذود به عن كرامته والهدف من اللباس التقليل من الإثارة الجنسية لا تثوير الغريزة، إنه ليس الجلد الثاني للإنسان وإنما بيته الأول.

ولباس الإنسان هو علم بلاده وجوده وهو علم يرفعه فوق بوابة بيت وجوده ويعلن به عن الثقافة التي يتثقف بها، والمرأة التي تعرض مفاتنها الجسمية أمام الجميع وتسحب كل ما يتعلق بأنوثتها نحو الزقاق والسوق، إنما تريد أن تحتل مكانا في المجتمع اعتمادا على «انوثتها» لا على «إنسانيتها». (ثقافة العري أو عري الثقافة، غلام عادل، دار الهادي، ط1، 2001م).

وأخيرا نقول، إن اي تحرك إزاء اية قضية بعيدا عن مستندها الايديولوجي ينتج رؤى تفتقر للتحليل الدقيق لمفردات الواقع المؤمن بتلك الايديولوجية، لذلك فالالتزام العقلي يفضي لان يكون مصدر التحرك هو البحث الدقيق والرؤية الواضحة لمجمل التغيرات والثوابت في المجتمع، ومن دون ذلك تكون كل فكرة ويكون كل رأي مفتقرا في ذاته إلى التأثير والصدقية


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/120119.html