صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5250 | الجمعة 20 يناير 2017م الموافق 22 ذي القعدة 1445هـ

الاحتراب الطائفي ومستقبل الدولة الوطنية في العالم العربي (1)

الكاتب: عبدالنبي العكري - comments@alwasatnews.com

(تعقيب على ورقة الباحث عبدالحسين شعبان خلال منتدى عبدالرحمن النعيمي الثقافي، اللقاء الرابع عن الاحتراب الطائفي ومستقبل الدولة الوطنية في العالم العربي «تاريخ الاستبداد وصعود الحالة الطائفية نحو دستفاليا عربية»)

طرح الكاتب عبدالحسين شعبان في بداية ورقته عن مدى الحاجة العربية إلى اتفاقية شبيهه باتفاقية دستفاليا التي وضعت حداً للحروب الدينية في أوروبا، واستمرت ثلاثين عاماً (1618 - 1648)، واستعرت بين أتباع المذاهب المسيحية، وخصوصاً الكاثوليكية المهيمنة على أوروبا، والمذاهب الجديدة التي برزت كانشقاق عليها مثل البروتستانتية والإنجليكانية واللوثرية وغيرها.

ويطرح شعبان احتمالين في ضوء قيام الدولة الإسلامية (داعش) على أراضي بلدين هما العراق وسورية في خرق لاتفاقية سايكس بيكو 1917 التي رسمت وكرست الحدود القائمة فيما بين الدول العربية، وإعلان «داعش» عن ولايات تابعة لها في عدد من الدول العربية والإسلامية كما في ليبيا ومصر واليمن والجزائر، ويطرح شعبان أن قيام «داعش» أسهم في انتشار وتعميق الانقسامات الدينية والمذهبية في العالم العربي، كما يتجلى بشكل حروب أهلية في ليبيا واليمن وسورية والعراق، أو نزاعات مسلحة كما في تونس ومصر، وتوترات دينية وطائفية في جميع البلدان العربية تقريبا. ويطرح شعبان احتمالين للأوضاع القائمة!

الأول: إعادة ترتيب أوضاع المنطقة بعد تصفية «داعش» باستعادة اللجنة الوطنية في كل من العراق وسورية واستطراداً ليبيا واليمن وفتح آفاق تسوية تاريخية توافقية، أي الذهاب إلى دستفاليا عربية، بإقرار الجميع عدم إمكانية تحقيق انتصارات ساحقة أو إلحاق هزائم ماحقة بالآخر الثاني، أن تتمسك الأطراف المتصارعة بمواقفها وأن يعود الفرقاء إلى التشدد وهذا يعني استحالة دستفاليا عربية، وإمكانية تدهور الأوضاع بحيث تؤدي إلى تفتيت الدول العربية إلى 41 كياناً على أساس ديني ومذهبي وإثني ولغوي وسلالي وقبلي ومناطقي وغيرها.

وقد سبق أن طرح مسئولون ومنظرون غربيون هذا السيناريو سابقاً، ومنهم المفكر برنارد لويس والسياسي الداهية كيسنجر ونائب الرئيس الأميركي بايدن وخصوصاً أن «داعش» كسرت حرمة الحدود القائمة، بإلقائها تلك الحدود ما بين سورية والعراق، وإقامة ولايات في دول أخرى تابعة لدول «داعش».

يفصل شعبان ما يجري في العراق، كتداعيات لقيام دولة «داعش» وما أحدثته وتحدثه من تشققات في البنية الوطنية العراقية، وكذلك الاحتمالات الخطيرة بعد القضاء على دولة «داعش»، سواء من تمدد وتعمق نفوذ الدولتين الإقليميتين الأقوى إيران وتركيا وإمكانية ضم أجزاء من العراق لهما، وتمدد الكيان الكردي وتكرس استقالته، وكذلك تكرس أقاليم ذات سلطات مفتوحة على الانفصال على أساس مذهبي أو مناطقي،هذا إلى جانب تكرس الانقسامات الدينية والمذهبية والقومية في ظل غياب مشروع وطني جامع.

ورقة عبدالحسين شعبان تفتح الآفاق على عدد من القضايا كان من الأفضل معالجتها والتفصيل فيها. وأعتقد أنه يتوجب طرح ومناقشة القضايا التالية:

1 - كان يتوجب إما أن يكون العراق (حالة دراسية) (Case Study) لأزمة الدولة العربية، أو أن تعالج أزمة الدولة العربية، والهوية الوطنية الجامعة، في ضوء التحدي الذي فرضه تمدد وتعمق التيار الإسلاموي المتطرف والتكفيري وأخطر تجلياته «داعش»، التي جسدت فكرها بقيام دولتها.

2 - إن «داعش» وإن كانت أخطر تجليات الفكر الإسلاموي المتطرف والتكفيري، إلا أنها بمثابة قمة الجليد، فهناك تيار إسلاموي متطرف يضم الكثير من الاتجاهات، والكثير من التنظيمات حيث التنظيمات المسلحة والمقاتلة باسم الجهاد، كما في العدد الأكبر من الدول العربية، وكذلك تنظيمات تنتظر الفرصة لحمل السلاح، وبعضها سري تحت الأرض وبعضها معلن.

3 - إن معظم هذه التنظيمات لا يعترف بالدول القائمة، ولا الكيانات السياسية القائمة ولا الحدود القائمة، فهو عابر للحدود والهويات الوطنية كما تنعكس في استراتيجية مثل «داعش»، وتنظيم «القاعدة» في الجزيرة العربية وتنظيم «القاعدة في بلاد المغرب العربي»، والتنظيم الدولي للإخوان المسلمين.

4 - إن وراء ظهور هذا التنظيم فكر له جذوره في التراث الإسلامي، والتاريخ العربي الإسلامي الذي اتسم بالتمييز الديني والطائفي والمذهبي والحروب والنزاعات المسلحة والفتن والاضطهاد والإقصاء. وانتعاشه اليوم ليس صدفة؛ بل هو نتيجة عدة عوامل أهمها تضافر هذا الفكر مع إمكانيات مادية هائلة لدول عربية وحلفائها من دول ذات قدرات كبيرة ومنظمات، وقد استخدم الدين والتنظيمات الدينية الرجعية في مواجهة الأنظمة ذات التوجه التقدمي، كنظام عبدالناصر في مصر، ونظام جبهة التحرير الوطني في الجزائر، ونظام الحزب الاشتراكي في اليمن الجنوبي، كما استخدم ضد الفكر التقدمي بتلاوينة الشيوعية والاشتراكية والقومية والوطنية، وضد التنظيمات التي تحمل هذا الفكر، وضد الأفكار والسلوكيات التحررية السياسية والاجتماعية عموماً، وأمام قصور الأنظمة الوطنية المذكورة، وفشل دولة الاستقلال في أكثر من بلد عربي، في تحقيق وعود الاستقلال بالاندماج الوطني والتنمية المستدامة، وتعزيز الهوية الوطنية، وتعزيز الاستقلال والسير بخطى ثابتة نحو تحرير فلسطين والوحدة العربية، فقد تحول النظام السياسي العربي لصالح الأنظمة النفطية، والبيئة العربية نحو المحافظة والتشدد لصالح هذه الاتجاهات.

5 - في ضوء الأزمة التي لا سابق لها في التاريخ العربي، والانحدار الذي وصل إليه العرب، فإنه من الضروري طرح البديل على الصعيد الوطني والقومي، وعلى مختلف المستويات الفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية والحقوقية، وفي بنية الدولة وأسسها والهوية الوطنية، ومتطلبات الوحدة الوطنية والسلم الأهلي ونظام سياسي تمددي ديمقراطي تنموي، يعكس المصالح لمختلف مكونات الشعب، ومصلحة الوطن، ويؤسس لنظام عربي جديد، حيث النموذج الأوروبي جدير بالاحتذاء.

6 - إن الأزمة الحالية سواء في بلد عربي ما أو على مستوى إقليمي وعربي لا تقتصر على اللاعبين العرب وحدهم أنظمة ودولاً وقوى، بل إنها ساحة لصراعات إقليمية ودولية، ومن الدول الإقليمية إسرائيل وتركيا وإيران وحتى إثيوبيا، ومن الدول الكبرى الدول الغربية الاستعمارية القديمة والحديثة وخصوصاً الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي وأخيراً روسيا، بحيث إن أية مشكلة عربية لا تحل في إطار الجامعة بل يجري تدويلها، أو إناطة حلها باتفاقات الدول الإقليمية والدول الكبرى. أو يتم التدخل فيها من قبل تحالفات عربية خارج إطار الاجتماع والتوافق العربي والعمل العربي المشترك.

يتبع...


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1202478.html