صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5251 | السبت 21 يناير 2017م الموافق 13 شعبان 1445هـ

مستقبل الدول الريعية

الكاتب: جعفر الصائغ - .

تبلورت فكرة الدولة الريعية بعد قيام بعض الباحثين الاقتصاديين بدراسة الأبعاد الاقتصادية لتأميم قطاع النفط في إيران خلال الخمسينات من القرن الماضي، الذي أدى إلى ارتفاع حصيلة الدولة من العائدات النفطية، ومن ثم بروز دور الدولة في النشاط الاقتصادي. ففي العام 1970 أطلق عالم الاقتصاد الإيراني حسين مهداوي مفهوم «الدولة الريعية»، وبعدها قام اقتصاديون آخرون مثل جياكومو لوتشياني، بتطوير الفكرة وتطبيقها على الدول النفطية.

وتُعرّف الدولة الريعية بأنها دولة تتميّز بوفرة من الموارد الطبيعية، وأن ملكية هذه الموارد تعود للدولة وحدها،‏ وتحقق هذه الدولة عائدات ضخمة من خلال تصدير هذه الموارد، وأن ميزانيتها العامة تعتمد اعتماداً كلياً على هذه الإيرادات وبالتحديد على الريع النفطي الخارجي (external)، أي أن مصدر الريع يأتي من خارج الاقتصاد المحلي، وهذا يشير إلى ضعف هيكل الإنتاج المحلي. كما أن استغلال المورد الطبيعي في هذه الدولة يتم من خلال الاستثمار في مشاريع ذات كثافة رأسمالية،‏ وبالتالي فإن تلك المشاريع توظف عدداً محدوداً من القوة العاملة الوطنية‏.‏

وبسبب ضخامة الإيرادات، فإن الدولة لا تحتاج إلى فرض ضرائب على المواطنين، أو على المؤسسات الاقتصادية كمصدر دخل لها، أي أن مثل هذه الدولة لا تعتمد على الدعم المالي للمواطن. ولذلك يقول مهداوي «أن الدولة التي تحصل على مبالغ كافية من مواردها الطبيعية لا تفرض ضرائب، والمجتمع نفسه ليس له الحماس والرغبة في المشاركة الفعلية في القرارات الاقتصادية والسياسية، تاركاً كل الأمور والقضايا للدولة وحدها. فهي تقوم بالدفع للمواطنين بطرق وأساليب مختلفة، إما من خلال الدعم المالي والهبات المباشرة أو من خلال توظيف المواطنين في مؤسساتها الإنتاجية والإدارية والأمنية. فدور الدولة في الاقتصاد استراتيجي وحاسم في جميع القطاعات الاقتصادية».

الدولة تكون ريعية ليس لكونها تنتج النفط أو أي مورد آخر، وليس لكونها تعتمد عليه اعتماداً كلياً في تمويل نفقاتها واستثماراتها ومن ثم تعظيم إيراداتها المستقبلية، بل لكونها تدير العملية برمتها، فهي المنتج والبائع والمصدّر، وهي الجهة التي تقوم بإنفاق الإيرادات وإعادة توزيعها بالطريقة التي تشاء، وبالأسلوب الذي يعزّز من مكانتها وهيمنتها الاقتصادية والسياسية.

وهذا ما يؤكده حازم الببلاوي، الذي يقول إن الدولة لا تنعت بالريعية إلا إذا توفر شرط مهم، ألا وهو قدرة الحكومة على إنفاق ريع النفط أو أي مورد آخر بكل مرونة، بحيث تتمكن من تحقيق سياسة الرفاهية من دون القيود الموجودة في العالم الديمقراطي. وهذا الوضع، طبقاً لما توصل إليه بعض المفكرين الاقتصاديين، قد أدى إلى تقسيم المجتمع في الاقتصاديات النفطية الريعية إلى قسمين، القسم الأول وهو الأصغر ينشغل بإنتاج الثروة والتصرّف في عمليات البيع، بينما ينشغل القسم الآخر وهي الغالبية العظمى من المجتمع في نشاطات إنفاق الثروة وتدويرها.

إن مثل هذه البلدان ولغرض التحوّل للدولة المدنية، ينبغي أولاً تغيير دور الدولة في الاقتصاد، بحيث يكون موجّهاً وليس مالكاً، مشجعاً وليس محتكراً للإستثمار، مُشرِفاً وليس منتجاً للسلع والخدمات، وذلك من خلال تشجيع القطاع الخاص على القيام بدوره كمحرك للنشاط الاقتصادي، كما ينبغي إعادة النظر في سياسة التوظيف والدعم المالي، بحيث تكون سياسة إنتاجية وليس استهلاكية تبحث عن رفاهية ليس لها صفة الاستدامة.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1202747.html