صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5261 | الثلثاء 31 يناير 2017م الموافق 07 جمادى الأولى 1444هـ

أستانة واختراق سيادة سورية

الكاتب: منى عباس فضل - comments@alwasatnews.com

تتباين الآراء وتتعدد بشأن نتائج مؤتمر أستانة، وعلى رغم وجهة النظر التي تعده تطوراً خطيراً في الأزمة السورية، وإنجازاً حققت من ورائه روسيا اختراقات بعد معركة حلب، إلا إن نتائجه وبيانه الختامي جاءت ملتبسة محملة ببالونات اختبار خطيرة لأطراف النزاع.

شاركت أطراف الصراع في المؤتمر، كل من موقعه ومصالحه ورؤيته لما يحدث، ولأجل وقف إطلاق النار وإطلاق تسوية سياسية للأزمة، بيد أن معطيات الميدان تشي بأن ذلك لايزال بعيد المنال، فهناك تحديات وعوائق تعترض قوى الصراع «نظام ومعارضة» وأطرافه الضامنة «روسيا وتركيا وإيران» والأسباب معروفة تتعلق بالمتغيرات السياسية والمعطيات الميدانية.

مناطق آمنة ولكن؟

فمن جهة، صدر قرار الرئاسة الأميركية قبل أيام من انتهاء المؤتمر، بتنفيذ ما وعد به دونالد ترامب أثناء حملاته الانتخابية في إقامة مناطق آمنة داخل سورية والمناطق المحيطة بها. القرار أثار سجالاً وفُسره بأنه مؤشر على عودة الطرف الأميركي مباشرة للساحة السورية وزيادة انخراطه فيها، وبالتالي قد تجدد عودته إنعاش قنوات تواصله مع روسيا في الحرب على الإرهاب، الذي شكل مرتكزاً مهماً في خطابات ترامب الانتخابية، فيما لم يكن القرار متوقعاً كما صرح المتحدث عن فلاديمير بوتين الذي تفاجأ به.

لطالما شكل القرار مطلباً لدول الجوار، وتحديداً تركيا التي سعت لإقناع إدارة أوباما بإقامة مناطق عازلة، فكانت من أول من رحب به باعتبار إنه حل لمشكلة اللاجئين، لكنها بالمقابل حذرة ومتوجسة وتبحث عن تفاصيل آثارها المتحدث باسم الخارجية التركية قائلا: «المهم هو كيف ستكون نتائج هذه الخطوة؟ وما المعلومات والتوجيهات التي ستصدر عن المؤسسات الأميركية». الثابت ترامب لم يتخذ الخطوة لأجل سواد عيون الأتراك وليس لبعدها الإنساني؛ إنما لبعد سياسي واستكمال لقراره في الحد من الهجرة، ومع ذلك فظروف الميدان صارت أكثر تعقيداً في ظل التواجد العسكري الروسي في سورية، ما يعني ان الأمر يتطلب تفاهماً وتنسيقاً بين واشنطن وروسيا لتقاسم النفود، وضمن خطة تتوزع فيها قضايا لوجستية ميدانية من مستلزمات فرض حظر جوي، ونشر مضادات وقوات ومعدات أميركية على الأرض وزيادة عدد الطائرات الحربية... الخ.

هذا الأمر يثير السؤال بشأن الموقف الروسي لهذا التدخل العسكري المباشر؟ إضافة للسؤال عن أي المناطق التي ستتم تغطيتها داخل سورية عند التنفيذ، والتي لن يكون سهلاً في ظل انتشار وسيطرة قوات «درع الفرات» في بعضها أو في مناطق سيطرة «قوات سورية الديمقراطية» أو التي يسيطر عليها الحليف الإيراني وحزب الله إلى جانب حساسية المنطقة الحدودية بين سورية والأردن. من جهة متصلة، تشير تحليلات أخرى للأكلاف الباهظة التي ستدفعها واشنطن نتيجة انخراطها العسكري المباشر في المستنقع السوري، خصوصاً ووضع المناطق والحدود المفتوحة لايزال غير مستقر، والاشتباكات مع «داعش» لاتزال على أشدها في مدينة الباب وأدلب، وكل ذلك يحتاج لتنسيق عال في الوقت الذي تصر فيه دمشق وحليفها طهران بأن وجود القوات التركية في مدينة الباب كغزاة.

خلط أوراق الفصائل

منذ البداية سعت روسيا لإحداث فصل بين المعارضة السياسية في الخارج وأختها العسكرية في الداخل، تحديداً بين المصنفة بالاعتدال كفصائل «الجيش الحر» وتلك الموضوعة على قائمة الإرهاب كجبهة النصرة، وذلك للتأثير على وحدتها والحصول ممن شارك في لقاء أستانة على تعهد للانخراط في الحرب على المنظمات الإرهابية كداعش وجبهة النصرة التي وصفها الائتلاف السوري «بأنها تنظيم إرهابي عابر للحدود، يتبنى فكراً منحرفاً وسلوكاً متطرفاً ومرتبطا بتنظيم القاعدة»، فضلاً عن ضرب اسفين بين «جبهة النصرة» وحليفتها حركة «أحرار الشام» التي أعلنت الحرب عليها بإيعاز من تركيا، أما الاختراق الآخر فتمثل بالاستفراد الإقليمي للحدث، حيث غابت المرجعية الدولية للأمم المتحدة وتم تجاوزها بالتحالف الثلاثي الضامن.

إن خلط أوراق اللعب ميدانياً برز بعد أستانة على أشده بين فصائل المعارضة، وكان من نتائجه ارتفاع حدة التوتر والصدامات الدموية الشرسة التي تجري بين جبهة «النصرة» أو «فتح الشام» المدرجة على قائمة الإرهاب من طرف واشنطن وموسكو وحتى تركيا؛ فاشتعلت حرب التصفيات الدموية للفصائل المعارضة المسلحة، والمصنفة بالاعتدال والموالية لتركيا، وممن شارك في المؤتمر ووقع على الاتفاق، فقد بلغ «جبهة النصرة» كما تردد معلومات بأن بعض تلك الفصائل قدمت معلومات للتحالف الأميركي عن تحركات قيادتها وعناصرها من تم استهدافهم، وقتل 14 منهم في غارات أميركية، فضلاً عن تعهد تلك الفصائل للانخراط في حرب ضدها -أي جبهة النصرة- كونها منظمة إرهابية؛ تماماً كما خططت روسيا وبالاتفاق مع التركي.

فقاعة الدستور الروسي

أما أبرز الإشكالات التي شكلت فقاعة في نهاية المفاوضات، وفي سابقة تاريخية أثارت ردود فعل استنكارية، طرح مشروع الدستور السوري الجديد الذي أعده خبراء روس، وقد سبق لروسيا عرض تفاصيله عبر إعلامها، مما أثار زوبعة تساؤلات بشأن التوقيت وما الذي تبتغيه موسكو؟ في الوقت الذي للتو يدخل السوريون مرحلة تثبيت وقف اطلاق النار كأولوية، والجلوس إلى طاولة المفاوضات، فيما يوضع أمامهم «لغم الدستور الجديد» ليخلق أزمة مصطنعة وجديدة في عمقها. أطلق عليه محللون «دستور بول بريمر Paul Bremer الروسي» نسبة للحاكم العسكري أثناء الاحتلال الاميركي للعراق بين 2003-2004، ووجدوا فيه خطوة باتجاه المس المباشر للسيادة السورية، واستقلالية قرارها وبما يعري الحجم السياسي الحقيقي للأطراف السورية نظاماً ومعارضة.

من حيث مضمونه هو مشروع «لبننة» لتفتيت سورية وتجزئة شعبها، عبر مشروع الفدرالية والحكم الذاتي لأكراد الشمال، وإدخال نظام الأقاليم واللامركزية، وتكريس المحاصصة الطائفية، لم لا؟ وقد صيغ بعيداً عن إرادة الشعب السوري صاحب الحق الوحيد والشرعي في تقرير مصيره، واختيار نظام حكمه بغض النظر عن موقعه كموالاة أو معارضة. وتبعاً لوكالة «إنترفاكس»، رئيس الجمهورية وفق المشروع يُنتخب لمدة 7 أعوام من دون حق في إعادة الانتخاب، وليس من الضروري أن يكون مسلماً، وتحويل البرلمان إلى مجلسين، وفقدان الشريعة موقعها «مصدراً أساسياً للتشريع»، أما أبرز وأخطر التسريبات بشأن المسودة، فإنها تحرم رئيس الجمهورية من معظم صلاحياته، وتمنع أي دور للجيش السوري خارج حدوده، في مؤشر فاقع لعزل سورية عن محيطها العربي في التصدي للاحتلال الصهيوني.

اعتبر المحللون طرح المسودة تجاوزاً لقرار مجلس الأمن 2254 الذي يعتبر مرجعية سياسية تنبثق عنه حكومة وحدة وطنية، من أحد مهامها تشكيل لجنة دستورية لوضع دستور وقانون انتخابات جديدين، وعلى رغم توضيح رئيس الوفد الروسي في أستانة «بأن العمل يؤكد رغبتنا بتسريع العملية (صياغة الدستور-الصحيفة) وإعطاء زخم إضافي، دون التدخل في العملية الأساسية لبحث وإقرار الدستور»، إضافة لما نفته الناطقة من الخارجية الروسية بشأن مقاربة المشروع الروسي للدستور الجديد بدستور بريمر، وما أكدته «بأن بلادها لا تحاول فرض شروط التسوية، أو دستور على السوريين، إنما الهدف هو تحفيز الحوار السياسي في إطار قرار مجلس الأمن الدولي 2254»، إلا إن المعارضة رفضت البحث فيه بقوة قائلة «بأن تجربة بريمر في العراق واضحة، وإن الدستور الذي تكتبه دولة أخرى، لن يكون فاعلاً كأداة سياسية، فالشعب السوري هو الوحيد الذي يملك حق كتابة الدستور»، مؤكدة «أن المهمة الرئيسة الحالية هي دعم الهدنة، وليس وضع دستور جديد للبلاد».

أما الجانب الرسمي فالتزم الصمت؛ لا تعليق، لا توضيح، متجنباً التصادم مع الحليف الروسي، وقام بإدخال تعديلات على المسودة، غير ان متحدثا من الجيش أوضح «بأن وفدهم رفض استلام نسخة الدستور، متهماً الطرف الروسي بفرض انتداب على سورية إذا أصر على طرحه»، في الوقت الذي صاحبته تصريحات لمسئول عسكري روسي في قاعدة حميميم حذر فيها بشدة بعض قاد الجيش العربي السوري من الإخلال بالهدنة.

الخلاصة، انفض لقاء الأستانة، وتواصل اشتعال الاقتتال بين السوريين. أستانة حلقة من حلقات التنسيق الروسي-التركي لمواجهة الإرهاب في الميدان السوري، وهي حامل سيثبت فعاليته عند تحقيق مصالح الأطراف الإقليمية والدولية التي تنغرس أقدامها يوماً بعد يوم في المستنقع السوري، وعلى ما يبدو ان روسيا جادة بفرض مشروع دستورها لسورية الجديدة ولنظامها السياسي بالقوة الناعمة أو الخشنة، وفي غمار الاقتتال لا مانع من اقتحام الميدان مجدداً من قبل من تم اقصاؤهم عن الأستانة، وضمن أجندات لإبقاء محرقة الحرب والتدمير مشتعلة. والله يحمي سورية والسوريين من أشرار الحروب.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1206090.html