صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5270 | الخميس 09 فبراير 2017م الموافق 18 جمادى الأولى 1445هـ

ضحكة «والدي»

الكاتب: مريم الشروقي - maryam.alsherooqi@alwasatnews.com

حين كنّا صغاراً كنّا نراه على أنّه أقوى رجل في العالم، وعندما كان يرانا نضحك يضحك، وعندما نحزن يحزن، كأيِّ أب مع أبنائه، وكل سنة نكبر وتكبر المسئولية، وهو سعيد يضحك ويبتسم دوماً.

وعندما كبر انقلبت الآية، فأصبحنا نضحك عندما يضحك، ونحزن عندما يحزن، ونشعر بالمرض عندما يمرض، فهو ليس والدنا فقط، بل هو المثال والقدوة والقوّة والعزوة؛ لأنّه يُعطي أكثر ممّا يأخذ.

بعضنا يطلب منه دوماً، على رغم الرواتب الكبيرة التي لديه، وبعضنا يُعطيه على رغم ضعف الحال، وهو دوماً يعطي بلا مقابل، فتراه يسأل عن حالنا قبل أن نسأل عنه، ويسندنا من دون أن ندري؛ لأنّ الأب عطاؤه مختلف عن الابن.

يحتجُّ أحد الأبناء على بعض الأمور الحياتية، ويعلِّي صوته، فلا نرى من والدنا إلاّ الهدوء والرويّة؛ لأنّ الأمور لا تؤخذ بالصراخ والجعجعة، وإنّما بالحكمة والتعقّل، فأبي كان، ومازال، هو ذلك الرجل الراسخ كالجبل، تضرب جذوره في باطن الأرض، فمهما اشتدّت الرياح، نجده قادراً على تحمّلها.

بعض الأبناء خرج من البيت، وبعضهم آثر المحاربة، وبعضهم قاطعه، والبعض الآخر نافقه حتّى لا يُحرم من الورث ومن الخير، وبعضهم راح ينصح الإخوة وينصح الأب حتّى يُعدّل العلاقة بينهم، والأب بحكمته يتجاوز المشكلات والأزمات مهما اشتدّت، ويضم الأبناء مرّة أخرى، فهم فلذّة الكبد الغالية.

والدي لا يحمل الحقد على أحد، وإخوتي هم أيضا يعشقون والدي، وإن بعدوا عنه، فهو وهم أسرة واحدة لا تتشعّب، بل متجانسة الى أبعد الحدود، والحب بينهم ليس وليد اللّحظة بل منذ ولادتهم وخروجهم إلى هذه الدنيا.

فرحتنا لا تعادلها فرحة عندما نراه سعيداً، وفرحتنا بصحّته وقوّته هي أعظم فرحة، فصحّته تاج على رؤوسنا، ويكفينا عندما نراه في المجلس مستقبلًا أبناءه مبتسماً لوجودهم عن يمينه وعن يساره، هل هناك فرحة أعظم من هذه الفرحة.

والدي أنجز الكثير لي ولإخوتي، وقدّم الكثير لي ولإخوتي، ولا يُظهر لنا تعبه وألمه، فالأب يريد أن يتذكّره أبناؤه قويًّا صلبًا، على رغم حنانه ومشاعره الجيّاشة وضعفه في بعض الأحيان، وأنا متأكّدة من أنّ والدي يبكي عندما نمرض أو نحزن؛ لأنّه لا يريدنا إلاّ سعداء، ويخفي الدمعة حتّى لا نشعر بالضعف والوهن.

هو لم ينحنِ أبداً أبداً إلى من يحاول كسره، ففي كل مرّة يحاول أحدهم أن ينال منه، نرى عناية الله تحفظه وتحرسه، ليس لأنّه وليًّا صالحًا أو نبيًّا مرسلًا، لكن لأنّ نيّته في الحب شملت جميع إخوتي. والنيّة يعلمها الله من فوق سابع سماء، ويحفظ من كانت نيّته سليمة مُحبّة.

ضحكة «والدي» لها قصص كثيرة، فالنّاس تعرفه بهذه الضحكة والابتسامة البسيطة، وما إن تجلس مع أحدهم إلاًّ وله قصّة مع «والدي»، ومع اختلاف فكر الأبناء بعد نضوجهم، إلاّ أنّ لكل واحد منهم قصّة يحكيها عن ضحكة وابتسامة «والدي».

فليحفظ الله «والدي» من كل شر في هذا اليوم المبارك، وأن يجعل ضحكته وابتسامته دوماً وليس يوماً، لا تفارقه أبداً، وندعو الله ألاًّ يفرّقنا عنه، ولا عن بعضنا بعضاً، وأن يبعد عنّا شرور الحاقدين الحاسدين. اللهم آمين. وجمعة مباركة.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1209130.html