صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5272 | السبت 11 فبراير 2017م الموافق 12 شعبان 1445هـ

هل بإمكاننا أن نفعل ما فعله السنغافوريون؟

الكاتب: جعفر الصائغ - .

العرب وخاصةً الخليجيين، هم أكثر شعوب العالم إعجاباً بالتجربة الاقتصادية السنغافورية، وأكثرهم رغبةً بتقليد هذه التجربة في بلدانهم. ودائماً ما يعبّرون عن عظمتها وإعجازها ويتوعدون بدراستها والقيام بتجربة اقتصادية أخرى تكون شبيهةً بها أو أفضل منها.

بهذا الإعجاب نقوم دائماً بمقارنة مؤشراتنا ومنجزاتنا الاقتصادية بتلك المؤشرات والمنجزات في سنغافورة، ويراودنا حلم أزلي بتحقيق ما حقّقه هذا البلد الصغير الذي يمثل في حجمه مدينةً صغيرةً من المدن العربية. أدبياتنا الاقتصادية مليئة بمثل تلك المقارنات ودائماً ما نستشهد بها في دراساتنا وندواتنا وجلساتنا الحوارية، فنضرب بها المثل كنموذج في التنمية والنجاح والإبداع الاقتصادي.

وعلى رغم هذا الإعجاب المفرط والرغبة الشديدة في تقليد هذه التجربة الاقتصادية، إلا أن الكثير منّا من يجهل كيف استطاع هذا البلد الصغير خلال أربعين سنة أن يلتحق بالدول الكبار ويحقق المعجزة على رغم كل المصاعب والمشاكل والتناقضات التي كان يعيشها السنغافوريون.

هل بإمكاننا حقاً القيام بما قام به شعب هذا البلد الصغير من تضحيات كبيرة، وحب لا مثيل له لوطنه وتماسك لا يصدقه العقل بين فئات الشعب على رغم التناقضات، فلا دين واحد يجمعهم ولا لغة واحدة؟ فالعامل المشترك بينهم فقط هو الأرض. وهل قدراتنا الذهنية والفكرية والعلمية والمالية والإبداعية تؤهلنا لتحقيق ما حققته سنغافورة؟

سنغافورة البلد الآسيوي ذو الخمسة ملايين نسمة، وصاحب المعجزة الاقتصادية المدهشة، استطاع أن يحوّل نفسه من دولة فقيرة نامية، لا تمتلك أبسط مقومات الدولة، إلى مصاف الدول المتقدمة.

كانت البداية العام 1965 الذي يعتبر من أصعب السنين التي مرّت على السنغافوريين، ففي هذا العام اتخذت ماليزيا قراراً تاريخياً بالتخلّي عن الجزيرة الصغيرة والتي كانت حينها جزءاً منها. أرادت ماليزيا بهذا القرار أن توجّه صفعةً لهذا البلد الفقير من كل شيء، الموارد والمال والمياه وحتى الخبرة في التنظيم الإداري والمعرفة الجيدة بدهاليز السياسة والاقتصاد. كانت ماليزيا تشكّل المصدر الوحيد لكل عناصر العيش لهذا البلد، مثل الحماية والمياه ومختلف السلع والخدمات وكذلك فرص العمل.

بعد القرار الماليزي دخلت سنغافورة حالة من الفوضى السياسية والاجتماعية، فانتشر العنف والمظاهرات والجرائم والسرقات وارتفاع كبير في معدل البطالة والفساد الإداري وركود اقتصادي حاد. أصبح البلد غير مستقر، ومن أخطر بلدان العالم. إضافةً إلى ذلك فإن تركيبة الشعب السنغافوري تهدّد وحدة البلد والدخول في صراعات معقدة، فالمجتمع السنغافوري يتكوّن من مجموعة غير متجانسة ترجع أصولها إلى الهند والصين وماليزيا وغيرها.

إذن القضية الأهم التي كانت تشغل بال المسئولين السنغافوريين بعد الانفصال عن ماليزيا، هي وحدة الشعب والمخاوف من تفتته. فأول ما دعا إليه المسئولون هو زرع الثقة لدى الشعب في النظام القائم وذلك من خلال تطبيق العدالة الاجتماعية، ومحاربة كل أشكال التمييز والعنصرية والطائفية والفساد، ووضع نظام تتساوى فيه الفرص والتآلف بين الأعراق، ويكفل حرية الرأي والتعبير وتعدّد المعتقدات الفكرية والدينية، فقاموا بتدريس طلابهم فنون وآداب التسامح والتعايش مع الآخرين، واحترام مذاهب وأديان ومعتقدات الآخرين، والعمل بمبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب. فأقرّوا جميعاً في دستورهم الأول «نحن مواطنو سنغافورة نتعهّد بأن نكون شعباً متحداً بغضّ النظر عن الجنس أو اللغة أو الديانة، وأن نبني مجتمعاً ديمقراطياً يقوم على العدالة والمساواة لنحقّق السعادة والرخاء والتقدم لأمتنا».

ولذلك فإن أول حكومةٍ تشكّلت بعد الانفصال عن ماليزيا حاربت كل أشكال التمييز والعنصرية والفساد، وسنّت قوانين تحرّم التعرض للمسائل العرقية والدينية، وجاءت بنظامٍ تتساوى فيه الفرص والتآلف بين الأعراق. ولذلك عبّر أحد المسئولين هناك بالقول «إنه على رغم كل ما يبدو على السطح فنحن متشابهون إلى حد كبير، لا يهم إذا كنت صينياً أو هندياً أو ماليزياً، فكلنا لدينا نفس التطلعات، نحن نريد حياة محترمة ونريد لأطفالنا حياة محترمة لكي ينمو فيها».

وما ساعد هذا البلد أيضاً على التطور والازدهار وتحقيق معجزته الاقتصادية هو أنه لم يعتمد في نهجه التنموي على إرث عسكري يكون فيه الجيش فوق السياسة والمهيمن على السلطة، ولم يكن المسئولون السياسيون فوق القانون كما هو الحال في كثير من البلدان النامية.

إن حرص السلطة هناك بعد الاستقلال على تحقيق العدالة الاجتماعية وانتهاج النظام الديمقراطي الذي يحترم حقوق المواطن ويضمن ولاءه للوطن، ساعدها كثيراً على الابتعاد عن مصادر الفساد الإداري والبيئة الملوثة بأمراض الاستبداد والاستعباد والاستبعاد والتي كانت سبباً لإهدار الثروة، وضياع البلد في متاهات السياسة القذرة في بلدان عدة. ولم يكن هناك احتكار في اتخاذ القرارات الاستراتيجية، ولَم تكن القرارات الاقتصادية مسيّسةً تخدم مصالح السلطة الحاكمة ورجال السياسة فقط، كما لم تكن المناصب العليا عبارةً عن غنائم توزّع على الأقارب والمؤيدين والأتباع، كما يحصل في بعض البلدان النامية.

لقد وضعت سنغافورة لها رؤية مستقبلية واضحة، وأنشأت مؤسسات الرقابة والمساءلة الشعبية لضمان نجاح وفاعلية السياسات والاستراتيجيات التنموية، وحرصت على تعزيز ثقة المجتمع في مُتَّخِذ القرار والنظام القائم، حيث ارتكز النظام السنغافوري على مبدأ الشراكة الفعلية للجميع، والمؤسسات المنتخبة هي التي تقرّر متى وكيف تستخدم موارد الدولة. وبهذا النظام استطاعت سنغافورة أن تتجنّب الإخفاقات والأزمات السياسية والاقتصادية والكثير من المشاكل التي وقعت فيها بلدان سلطوية احتكرت الثروة والقرارات والمناصب الإدارية لفئة معينة .

كما اهتمت هذه الجزيرة الصغيرة بشكل خاص بتطوير الكفاءات والخبرات المحلية، من خلال تطوير قطاعها التعليمي الذي يعتبر أحد أرقى أنظمة التعليم في العالم بلا منازع. فقد أدركت الدولة أنها بلد فقير لا يمتلك من الموارد إلا الإنسان وهو أغلى ما تمتلكه، حيث يمثل رأسمالها الحقيقي الذي يمكن الاعتماد عليه في نهضتها الاقتصادية وتطوير مستقبل البلد ومنافسة الدول الكبار. وقد سعت الدولة لاستغلال طاقات شعبها بأفضل شكل ممكن، واكتشاف قدراتهم ومواهبهم وتنميتها بالشكل الذي يخدم الخطط التنموية، وخصّصت أكثر من 16 في المئة من ميزانيتها العامة لقطاع التعليم. فقد أدرك رئيس الوزراء لي كوان دور وأهمية التعليم في لمّ الأعراق وتلبية متطلبات التنمية الاقتصادية، فيقول: «بعد عدة سنوات في الحكومة، أدركت أنني كلما اخترت أصحاب المواهب كوزراء وإداريين ومهنيين، كلما كانت سياساتنا أكثر فعالية وأكثر نجاحاً».

اليوم سنغافورة واحدةٌ من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم، وأكثرها استقراراً سياسياً واقتصادياً، وخامس أغنى دولة في العالم من حيث احتياطي العملة الصعبة الذي يتجاوز 180 مليار دولار، ويبلغ متوسط إجمالي الناتج المحلي لكل فرد 64,584 دولاراً ليحتل هذا البلد الترتيب الثالث على مستوى العالم. لقد أصبح إنجازها الاقتصادي نموذجاً يُحتذى به دولياً.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1209698.html