صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5278 | الجمعة 17 فبراير 2017م الموافق 06 ربيع الاول 1440هـ

كيف يتم التصرف مع الفساد السياسي؟

الكاتب: عبدالنبي العكري - comments@alwasatnews.com

سأعرض في هذه الورقة نماذج من تجارب شعوب وبلدان أخرى في حالات فساد سياسي لقياديين في أعلى الهرم السياسي، بعضها انتهى وبعضها لايزال في طور التفاعل

1 - ديلما روسيف، رئيسة البرازيل السابقة:

ديلما روسيف، مناضلة في صفوف اليسار البرازيلي، وهي من أبٍ بلغاري مهاجر، وأم برازيلية، وقد كانت في صفوف مقاومة الحكم العسكري، وتعرضت للاعتقال والتعذيب والسجن لمدة 4 سنوات. وعندما جرى تخلي العسكر عن الحكم والتحول إلى الحكم المدني، انضمت إلى حزب العمال الذي قاده ماسح الأحذية السابق والناشط العمالي لولا دي سيلفا، الذي فاز بالانتخابات في تحول جذري للبرازيل نحو اليسار حين فاز لولا دي سيلفا بالرئاسة، ونقل البرازيل نقلة اقتصادية هائلة لتصبح من الدول الاقتصادية الصاعدة إلى جانب الهند والصين، وأضحت روسيف رئيسة موظفي الرئاسة، خلال فترة حكمه 2005 – 2010، علماً بأنه، وعلى رغم الحاح الشعب البرازيلي على إعادة ترشح سيلفا إلا أنه رفض ذلك بعناد، باعتبار أنه جاء لتكريس تداول السلطة. ورشح سيلفا، روسيف للرئاسة حيث فازت بها في (1 يناير/كانون الثاني 2011) حتى (أغسطس/آب 2016). لكن تطورات حدثت تتنافى مع أخلاقيات روسيف على رغم أنها ضمن عملية كيدية قادتها الأوساط اليمينية بقيادة نائب الرئيس ميشيل تامر، ومن ضمن ذلك شبهة فساد سادت مقاولات المُنشآت الرياضية لاستضافة الأولمبياد العالمي في 2014، وكذلك تمويل حملتها الانتخابية، وقد تمت إقالتها من الرئاسة بقرار من قبل مجلس الشيوخ، لكن المجلس لم يجردها من حقوقها السياسية أو الحق في ممارسة الرئاسة.

2 - رئيسة كوريا الجنوبية بارك جيون هاي:

تنظر المحكمة الدستورية في ادعاءات بأن الرئيسة الكورية الجنوبية بارك جيون هاي وظفت صديقة لها في مكتبها بالرئاسة، وأن هذه الأخيرة حصلت على رشا من كبريات الشركات، ومنها هونداي وسامسونج مقابل تسهيل تحصيلها على منافع من الدولة. وقد قرر المجلس الوطني إدانتها بتاريخ (9 ديسمبر/ كانون الأول 2016) بتهمة المحاباة وعدم تحمل المسئولية وعلق بالتالي صلاحياتها، لكن الرئيسة بارك لجأت إلى المحكمة الدستورية التي يجب أن تفصل في الأمر.

وإضافة إلى ذلك هناك اتهامات للرئيسة بارك بعدم القيام بمسئولياتها من خلال حادثة غرق العبارة في (16 سبتمبر/ أيلول 2014) حيث غرق ما يقارب 300 مواطن، إذ لم تبادر لمغادرة قصر الرئاسة والتوجه لقيادة الإنقاذ والطوارئ كما يجب، والحقيقة أن المجلس الوطني، حيث لحزب الرئيسة الغالبية، لم يتحرك إلا بعدما تحرك الشارع في مظاهرات حاشدة ومتواصلة، وهذا يظهر لنا تفاعل الشعب الواعي والحر تجاه قضايا الفساد، وتجاوب نواب الشعب مع تحرك الشارع بمن فيهم نواب الحزب الحاكم حتى لو كان التحرك ضد رئيسة تنتمي إلى الحزب الحاكم. ومن المتوقع أن تصدِّق المحكمة الدستورية على قرار المجلس الوطني وتقيل الرئيسة بارك.

3 - فرانسوا فيون (Francois Fillon) المرشح للرئاسة الفرنسية:

فرانسوا فيون قائد سياسي فرنسي مخضرم، وقد كان رئيساً للوزراء في عهد الرئيس السابق ساركوزي، وقد تنافس على الترشح عن حزب التجمع من أجل الجمهورية اليمني مع الرئيس السابق ساركوزي ورئيس الوزراء الأسبق ألن جوبيه، وفاز بنسبة تجاوزت 60 في المئة، وبهذا أضحى الطريق مفتوحاً أمامه للفوز بالرئاسة. لكن حدث ما لم يكن في الحسبان. فقد نبشت الصحافة سلفه وخصوصا صحيفة «الكنار انشانتيه» الساخرة ووجدت أنه وظف زوجته بينيولوكلارك وابنيه مساعدين له عندما كان نائباً في الجمعية الوطنية، وعلى رغم أن القانون لا يمنع ذلك، إلا أنه تبين أن زوجته كانت مستشارة لدى مؤسسة إعلامية في ذات الوقت، وأنها لم تكن تقوم بمهمة كمساعدة لزوجها النائب، وبدأ تحرك في الشارع وتبعه تحرك النيابة العامة التي حققت مع زوجة فيون، وصادرت الكثير من الوثائق من مكتب فيون ذاته. وقد أضر ذلك كثيراً بشعبيته وحظه في التنافس، بحيث أضطر إلى عقد مؤتمر مساء الإثنين (6 فبراير /شباط 2017) ونفى فيه اتهامات الفساد على رغم اعتذاره إلى الشعب الفرنسي واعترافه بأن ذلك غير مقبول، ومن المتوقع أن يتحرك قادة حزبه، لاجباره على الانسحاب وتقديم منافسه الن جوبيه مرشحاً للحزب. وقد غمزت مرشحة الجهة اليمينية ميراي لوبوان من قناته وقناة مرشح الحزب الاشتراكي ايما نويل ماكون بأنها ليست مرشح المال لا اليساري ولا اليميني.

4 - رومانيا، والاحتجاجات على التهاون مع الفاسدين:

منذ أيام تتواصل الاحتجاجات ضد قرار مجلس الوزراء الروماني برئاسة سوريين جراندينو بتعديلات طارئة على قانون العقوبات بتخفيض الأحكام الصادرة في قضايا الفساد لمسئولين حكوميين، وإسقاط التهم عن مسئولين متهمين بالفساد، ومنهم رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم ليفيو دراجينا، والمتهم باساءة استخدام السلطة حين كان رئيساً للوزراء والخاضع للتحقيق.

وعلى رغم أن رئيس الوزراء جراندينو أعلن تراجع الحكومة عن القرار الوزاري ومقترح التعديلات القانونية، إلا أن الاحتجاجات متواصلة على رغم الطقس الجليدي حيث خرج ما يقارب نصف مليون يوم الأحد (5 فبراير 2017)، وقد انضم إليهم رئيس الجمهورية، وهو من الحزب الديمقراطي، ويطالب المتظاهرون بمحاكمة زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي ليفيو دراجينا، واستقالة الحكومة، وإجراء انتخابات مبكرة.

بالطبع، التاريخ لا يسير إلى الأمام دائماً، مقابل النماذج التي عرضناها للتصدي للفاسدين في قمة السلطة، فقد وصل الى رئاسة أقوى دولة في العالم الولايات المتحدة الأميركية، وهو دونالد ترامب، حيث إن سجله يؤكد تهربه عن دفع الضرائب المستحقة، وعقد صفقات مشبوهة، عدا فساده الأخلاقي، وها هو ينفذ ما سبق أن قدمه من وعود للاحتكارات، وإطلاق يد الشركات الكبرى وخصوصاً شركات الطاقة مثل «ايكسون» و»موبيل» ويشترك معه في نهجه مجلسا الشيوخ، والنواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون، حيث أقر مجلس النواب تعديلا على قانون البورصة، والذي يجبر الشركات الكبرى على الكشف عما تدفعه من ضرائب وكذلك تعاملاتها مع الدول الأجنبية، كما وسيصدق عليه الرئيس ترامب قريباً.

إنه ألغى بقرار رئاسي قراراً للرئيس السابق أوباما الذي أوقف مدّ خط أنابيب عملاق لنقل النفط الصخري الكندي عبر الولايات المتحدة حتى لويزيانا على خليج المكسيك، ورفع القيود عن الاشتراكات المناخية على شركات الانبعاث الحراري، مثل مصانع تكرير النفط، وإعادة انتاج الفحم وغيرهما.

كما أن تقرير مؤشر مدركات الفساد وللعام 2016 والذي تصدره منظمة الشفافية الدولية يظهر تراجع الدول العربية مجتمعة على هذا المؤشر، كظاهرة لاستشراء الفساد على رغم تراجع عوائد الدول العربية النفطية وغير النفطية، وسياسات التقشف التي تفرضها جميع الدول العربية تقريباً ويدفع ثمنها أبناء الشعب العاديون.

كما أن الكشف السنوي الذي تنشره مجلة «فوربس» بشأن ثروات كبار الأثرياء ومنهم العرب بالطبع يكشف مفارقة محزنة من ازدياد ثروات القلة إلى أرقام أسطورية مقابل تدهور في الأوضاع الاقتصادية لشعوبنا.

والخلاصة وهي أنه حيث تكون هناك ديمقراطية حقيقية، وشعب واع وحر فإن الفاسدين يدفعون الثمن، وحيث تكون هناك أنظمة استبدادية وتغييب الديمقراطية يزدهر الفساد والفاسدون.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1211912.html