صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5281 | الإثنين 20 فبراير 2017م الموافق 11 ربيع الاول 1445هـ

مغربنا العربيّ الكبير

الكاتب: سليم مصطفى بودبوس - slim.boudabous@alwasatnews.com

لا شكّ في كون التكتلات الإقليمية باتت الخيار الاستراتيجي الأمثل لا للدول النامية فحسب، وإنما للدول المتقدمة أيضاً؛ إذْ تتشكل في العالم الكثير من التكتلات والكيانات الإقليمية تحكمها الجغرافيا حيناً، والسياسة أحياناً كثيرة، وتوجّهها المصالح والحاجات العاجلة والآجلة.

ولا يعدم عالمنا العربي مثل هذه التكتلات الإقليمية، وها هي الذكرى الثامنة والعشرون لتأسيساتحاد المغرب العربيّ تمرّ ولا يكاد يشعر بها العالم العربي، بل لا يكاد يتذكّرها أهل المغرب العربي أنفسهم؛ على رغم الجهود المبذولة بين الحين والآخر.

فهل صار هذا الكيان، وقد مرّ على تأسيسه ثلاثة عقود، أثراً بعد عين؟ وهل كان عيناً أصلاً حتى نقف على أطلاله؟ وهل تقتصر ذكراه على بعض الرسائل البروتوكولية بين قادة دول المغرب العربي؟ أم أنّ آثار التحولات السياسية في كلٍّ من تونس وليبيا والتحديات الأمنية الجديدة، فضلاً عن عودة المملكة المغربية إلى الاتحاد الإفريقيّ ستكون من العوامل الداعمة لتفعيل وثيقة الملامح الكبرى للإستراتيجية المغاربية للتنمية المشتركة المتفق بشأنها سنة 1991 سعياً وراء حلم الاندماج بين دول المغرب العربي؟

بعضنا قد لا ينسى الخطاب التاريخي الذي وجّهه جلالة الملك محمد السادس، في أديس أبابا بمناسبة عودة المغرب إلى كنف عائلته المؤسسية الكبرى «الاتحاد الأفريقي»؛ فقد خصّ اتحاد المغرب العربي خلال القمة بحديث مكاشفة صادم للكثير حيث قال: «... غير أنه من الواضح، أن شعلة اتحاد المغرب العربي قد انطفأت... فالحلم المغاربي، الذي ناضل من أجله جيل الرواد في الخمسينات من القرن الماضي، يتعرض اليوم للخيانة».

نعم، قد لا يقف أبناء المغرب العربي في بلدانهم الخمسة على آثار هذا الاتحاد إلا من خلال اسم ساحة أو شارع أو ميدان هنا أو هناك، وقد لا تعني له الذكرى شيئاً؛ إذ لا يرى في الواقع ما يبعث فيه الفخر والاعتزاز بهذا الكيان السياسي الإقليمي. بل يكاد ينحصر الاهتمام الإعلامي بالاتحاد المغاربي في تاريخ 17 فبراير من كل سنة، فلا يستشعر مواطنو المغرب العربي أيّ تقدم في تفعيل أهداف هذا الاتحاد وتحويل طموحات الجماهير وقرارات القادة إلى واقع ملموس.

إنّ الإيمان بحتمية وحدة المصير المشترك لأبناء المغرب العربي حقيقة راسخة لدى الشعوب المغاربية، غير أنّ الخلافات السياسية التي ما تفتأ تطفو على السطح بين الحين والآخر تضاعف من حجم التحديات، وتساهم في تأجيل استثمار الفرص التي يمكن اغتنامها اليوم قبل غدٍ، من أجل الدفع بقطار اتحاد المغرب العربي إلى الأمام؛ فلا أحد ينكر حجم المغرب والجزائر في شدّ أواصر هذا الاتحاد، غير أنّ الجفاء السياسي بينهما بسبب اختلاف المواقف والدوافع والمصالح من قضية الصحراء المغربيّة أو الغربية (كلّ كما يسميها بحسب قناعاته)، يؤجل أو على الأقل لا يسرّع من نسق سير برامج الاتحاد المغاربي. غير أنّ العودة الميمونة للمملكة المغربية إلى التكتل الإفريقي الأوسع (الاتحاد الإفريقي) قد يكون دافعاً نحو خطوات عملية ميدانية تلمس من خلالها شعوب الدول المغاربية إنجازات حقيقية.

كما أنّ الوضع الأمني، ولا سيما خطر الجماعات الإرهابية المسلحة، يشكّل تحدياً خطيراً لا يمكن للمغرب العربي التغلب عليه دون تعاون على جميع المستويات. ولعل الوضع غير المستقر في ليبيا يلقي بلهيبه على تونس والجزائر، وعودة من يُسمَّوْنَ بالجهاديين من بؤر التوتر والاقتتال إلى بلدانهم، ولا سيما تونس والمغرب، يجعل المنطقة قاطبة في غير مأمن.

إنّ إنجازات قد تحققت لا يستهان بها في مجال الاستراتيجية المغاربية للأمن الغذائي، والبرنامج المغاربي لمقاومة التصحر والمحافظة على المحيط، والتنسيق المتقدم في حقل التربية والتعليم العالي والبحث العلمي والثقافة والصحة البشرية والشباب والشئون الاجتماعية، والصحة الحيوانية والنباتية، وفي تدعيم البنية التحتية، لاسيما فيما يتعلق بمشروع ابن خلدون المغاربي للاتصالات عبر الألياف البصرية، فضلاً عن تهيئة عدة مقاطع مهمة من مشروع الطريق السيار المغاربي، وتعزيز التعاون في مجال النقل البري والجوي والبحري والسككي، كدعامة لتحقيق حرية تنقل البشر والسلع والخدمات، الواردة ضمن الأهداف الكبرى لمعاهدة مراكش التأسيسية.

كما أنّ استكمال المنظومة الاتحادية أخيراً ببعث مؤسسة المصرف المغاربي للإستثمار والتجارة الخارجية، وتواصل بذل الجهود في مشروع إقامة المنطقة المغاربية للتبادل الحر، خير دليل على أن اتحاد المغرب العربي يمثل خياراً استراتيجياً أمثل وضرورة تاريخية لا مستقبل للمنطقة المغاربية دونها.

غير أنّ البطء في تنفيذ القرارات جعل الاتحاد المغاربي اليوم المنطقة الأقل اندماجاً في القارة الإفريقية، إن لم يكن في العالم أجمع. ففي الوقت الذي تصل فيه المعاملات التجارية البينية إلى 10 في المئة، بين بلدان المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، و19 في المئة بين دول مجموعة التنمية لإفريقيا الجنوبية، فإن تلك المبادلات تقل عن 3 في المئة بين البلدان المغاربية.

لقد حذّر الملك المغربي من مغبة الاستمرار في التسويف وتعطيل تنفيذ البرامج والوعود حيث قال: «وإذا لم نتحرّك، أو نأخذ العبرة من التجمعات الإفريقية المجاورة، فإن الاتحاد المغاربي سينحل بسبب عجزه المزمن عن الاستجابة للطموحات التي حدّدتها معاهدة مراكش التأسيسية، منذ 28 سنة خلت»، لذا فإنّ التأخير المستمر في تنفيذ القرارات يشكّل عقبة كأداء، والتأخر في إرساء هذه المنطقة المغاربية يؤدي إلى تأخر في النمو وخسارة آلاف مواطن الشغل وفرص الاستثمار إلى جانب المحدودية في المبادلات التجارية.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1212987.html