صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5312 | الخميس 23 مارس 2017م الموافق 13 ذي القعدة 1445هـ

الخطاب الديني في بناء السلوك البيئي

الكاتب: شبر إبراهيم الوداعي - .

الخطاب الديني بمختلف مناهجه ومضامينه وجوهر معانيه، يمثل القيمة الثقافية والحضارية في بعد أثره اﻻيجابي في بناء الوعي والثقافة القيمية للفرد والمجتمع وترسيخ مفاهيم السلوك الاجتماعي القويم، والخطاب الديني المؤسَسَ في أصول دلالاته وجوهر مضامينه وبعد تحليله ومعالجته قضايا البيئة ومقاربته للقيم والمبادئ الاسلامية بمظاهر السلوك البيئي للانسان، المرتكز في منهجياته على الأسس المنهجية في عرض القضايا البيئية، وفي تقديم مادة رصينة البناء الفكري في بعد معارفها من منظور إسلامي بطريقة منهجية وميسرة في الفهم، يمكن ان يساهم في تنوير المجتمع وحفزه في التعاطي مع القضايا البيئية بمسئولية، ويعزز ذلك في بناء السلوك الرشيد في العلاقة مع معالم النظام البيئي وإنجاز أهداف التنمية المستدامة.

الفكر الاسلامي مصدر رئيس في بناء منطلقات الخطاب الديني الفكرية والمعلوماتية والمنهجية، إذ يتميز بثراء معالجاته لقضايا البيئة ومحددات مناهج وقيم العلاقة مع الثروات الطبيعية والرأسمال اﻻيكيولوجي، وتشكل قضايا العلاقة الرشيدة في استغلال الموارد الطبيعية وصون النظم البيئية محور مهم في منظومة مبادئ وقيم مفاهيم ثقافة الفكر الاسلامي، كما ان النظافة العامة وقضايا الحفاظ على نظافة المحيط البيئي للانسان في مقدمة أولويات مبادئ الفكر الاسلامي، واﻻسلام أرسى الأسس والمبادئ التي اذا ما جرى اﻻلتزام بجوهر مضامين محدداتها يمكن ان يتحقق بناء السلوك البيئي السليم في ثقافة ومفاهيم المجتمع وذلك من منطلق دعوته الى اﻻعتدال وعدم اﻻسراف، والتعمير ونبذ اﻻفساد والفساد، والحفاظ على النظافة ونبذ أنشطة التلوث، ورعاية اﻻحياء النباتية والحيوانية وصون بقائها وتنميتها.

الحديث في موضوع الخطاب الديني ينبغي أن ياخذ في اﻻعتبار في جوانب معالجاته أسس ومعايير المنابر التنويرية على اختلاف انواعها واتجاهات مكونها الثقافي والمعرفي وطبيعة أدواتها التنويرية ووسائلها في نشر رسائل الخطاب الديني والمعارف والقيم والثقافات والمعالجات التي يتبناها في الشان البيئي والمبادئ التي يحث عليها في اﻻلتزام بقواعد السلوك الرشيد في العلاقة مع معالم النظام البيئي.

المناسبات الدينية والتقليدية مدخل مهم لتفعيل نشاط المنبر الديني الواعي والمؤسس فكرياً ومعرفياً للارتقاء بالثقافة القيمية للمجتمع، وشهر رمضان مناسبة مهمة تتعدد فيها منابر الخطاب الديني ويمكن استغلال مناشطه في معالجة أنماط السلوك الاجتماعي غير الرشيد ومشاكله المختلفة على حياة المجتمع وأثر تلك المعضلات في بروز الخطر على الامن المجتمعي، كما يمكن للمجالس الرمضانية على اختلاف طبيعة مكونها ومناهج تفاعلها مع القضايا المجتمعية ان تكون لها مشاركاتها في معالجة القضايا البيئية والمساهمة في استنباط المخارج ومؤسسات الحلول للارتقاء بالسلوك البيئي وتفعيل منهجيات العمل الموجهة ﻻنجاز اهداف التنمية المستدامة.

المنبر الديني أداة مهمة في مناهج الخطاب الديني ووسيلة محورية في نشر الثقافة البيئية وبناء السلوك البيئي الرشيد، والمنبر الديني يتميز بأدواته المؤثرة في شد اهتمام المتلقي في التمعن في الممارسات البيئية غير الرشيدة التي يجري تبيان مخاطرها على الامن البيئي للمجتمع وتشخيص تعارضها مع مبادئ وقيم الشرع الاسلامي، وكذلك القضية البيئية التي يجري طرحها ومعالجتها وتبصير المستمع الى الاهمية الاستراتيجية لمكونات النظام البيئي لمعيشة وحياة المجتمع وأهمية صون بقائها كثروة وحق للاجيال المقبلة، بيد أن انجاز ذلك يشترط توفر الخطيب القدير الذي يتبنى المنهج المؤسس علمياً في الخطابة، البعيد عن مداخل التسطيح في طرح القضايا المعرفية والمجتمعية، ويمتلك ثقافة واسعة في شأن المنظور الديني للقضايا البيئية ومحددات قيم الفكري الديني في شأن مناهج السلوك القويم في العلاقة مع معالم النظام البيئي.

التجارب في شأن ادراج القضايا البيئية في سياق خطاب المنبر الديني على الرغم من محدوديتها، الا ان هناك تفهما وقناعة تتفاعل في معالجات ورؤى متنوعة في فهمها لقضايا الخطاب الديني تركز على الفهم المؤسس في ابعاد مناهجه التوعوية يتبناها عدد من الخطباء تؤكد ضرورة إدماج القضايا البيئية في منظومة خطاب المنبر الديني، ومن المعروف ان عددا من المنابر عمدت في استغلال المناسبات الدينية للترويج للمفاهيم والمعارف البيئية، وان هناك مبادرات ذهبت الى ابعد من ذلك، اذ جرى في دولة اﻻمارات العربية المتحدة بمناسبة اﻻحتفال بيوم البيئة الوطني تخصيص خطبة الجمعة للحديث عن قضايا البيئة والمسئولية الفردية في حماية البيئة وتنميها والحث على تبني السلوك الرشيد في العلاقة مع معالم النظام البيئي.

الكتاب مصدر مهم لبناء الخطاب الديني، كما أنه من اﻻدوات المهمة في منهج الخطاب الديني ومدخل مهم للتحليل المتعمق المرتكز على ثوابت المنهج العلمي في البحث وقراءة جدلية العلاقة بين البعد البيئي ومبادئ وقيم الفكر اﻻسلامي وتشخيص جوانب التوافق بين الفكر اﻻسلامي ومحددات الفكر البيئي من الجانب القيمي والحقوقي والسلوكي والنظرة اﻻسلامية في شأن المسئولية الفردية في بناء العلاقة الرشيد مع معالم النظم البيئية وصونها من اﻻنشطة التدميرية وتنميتها، وبذلك يكون الكتاب مصدرا لبناء مؤسسات الخطاب الديني في الشان البيئي.

المكتبة العربية تزخر بالكتب التي تعالج قضايا البيئة من منظور اسلامي ويمكن اﻻشارة في هذا السياق الى كتاب «البيئة من منظور اسلامي» للباحث زين الدين عبدالمقصود غنيمي الصادر عن الهيئة العامة للبيئة-دولة الكويت 2007 ويعالج الكتاب فلسفة العلاقة الانسانية مع معالم النظم البيئية، إذ يشير الى «أن العبادة بمعناها الشامل لا تقتصر فقط على مجرد أداء الشعائر الدينية الروحية من صلاة وصوم وحج وغيرها، وإنما تعني الالتزام المخلص والأمين بمبادئ الإسلام وتعليماته في كل شئون الحياة. فحسن استغلال البيئة عبادة، والمحافظة عليها وصيانتها عبادة، وإماطة الأذى عن الطريق عبادة، وعدم تلويث الماء والهواء عبادة، وحسن استعمال المرافق العامة بأسلوب راشد وعاقل عبادة»، كما ان كتاب «قانون حماية البيئة الاسلامي» للباحث احمد عبدالكريم سلامة يعالج بشكل مستفيض مفاصل مبادئ وقواعد حماية البيئة وصون مواردها من منظور اسلامي.

المقال البيئي المرتكز في معالجاته على اسس منهجية في تبيان مفاهيم قيم الفكر اﻻسلامي في الشان البيئي وتشخيص محددات مبادئه ومخارجه في شأن اﻻسس المنهجية للمسئولية البيئية والسلوك اﻻجتماعي مع البيئات الطبيعية، يعتبر ايضاً من اﻻدوات المهمة في الخطاب الديني في الشأن البيئي ويتوافق مع ذلك، المنبر اﻻعلامي المقروء والمسموع والمرئي، الذي يمثل أداة إستراتيجية في تعميم أهداف الرسالة البيئة ونشر المعارف والثقافة البيئية.

أدوات ومصادر بناء الخطاب البيئي المؤسس في معلوماته وبياناته ومناهجه مطلب مهم للارتقاء بالسلوك البيئي للمجتمع، بيد أن ما هو مطلوب توفر الجاهزية واﻻرادة في تبني المبادرة لتفعيل نشاط الخطاب الديني الذي يمكن ان يكون فاعلا في تعميم أهداف الرسالة البيئية وجعلها سلوك ومسئولية مجتمعية.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1223177.html