صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5324 | الثلثاء 04 أبريل 2017م الموافق 02 جمادى الأولى 1444هـ

عن تدوين تاريخ النويدرات

الكاتب: منى عباس فضل - comments@alwasatnews.com

كتب أحدهم: «التاريخ يجب أن يصبح في يوم من الأيام روح التعليم... فهو معرفة الماضي الإنساني»، من طرف متصل يؤكد الشاعر والفيلسوف الفرنسي بول فاليري «إن التاريخ هو المادة الأكثر خطراً التي أنتجتها كيمياء العقل» أما الفيلسوف الإنجليزي فرنسيس بيكون فيذكر أن «قراءة التاريخ تلقّن الناس دروساً في الحكمة»، ويضيف آخر «المؤرخون أعظم الناس فائدة وأعمق المدرسين أثراً»، فيما يشدد المستشار الألماني بيسمارك على «إن الذكي هو من يتعلم من تجاربه هو، ولكن الأشد ذكاء هو الذي يتعلم من تجارب الآخرين، وإن التاريخ هو معرض تجارب الآخرين».

ومنه، هل يكون شباب النويدرات اليوم أشد ذكاء من جيل من سبقوهم حين ينبشون ويفتشون في تجاربهم ويتعلمون منها؟ ربما، ففي مقاربات بحثية واعية لأهمية التفتيش في الذاكرة التاريخية عن حقيقة نشأة قرية النويدرات وتاريخها، لم ينتظر الجيل الذي شكل بذرة التغير ونواته في مجتمع القرية ومن أتى من بعده من جيل؛ لم ينتظروا لأن يأتي إليهم من يدون تاريخ قريتهم بشأن نشأتها وتكوينها وتسميتها وأحداثها وشخصياتها، وكيف تأسس التعليم فيها، وما مرت به من مظاهر التغير في سياق مراحل تطور المجتمع، لم ينتظروا وانطلقوا من ماضي قريتهم وعبر حاضرها لفهم حقيقة التاريخ ومجرياته.

في إطار التعرف الجاد على تاريخ القرية وذكرياتها الجميلة عقد «نادي النويدرات الثقافي» قبل أيام ندوة بعنوان «النويدرات تاريخياً واجتماعياً وثقافياً». تحدث في الندوة كل من الأكاديمي عبدعلي محمد حسن الذي أشار إلى أن مسار هذا البحث استغرق وقتاً طويلاً، وقد اعتمد فريق العمل على مصادر ووثائق مكتوبة من شخصيات أجنبية مهتمة بشأن البحرين من أصحاب النفوذ السياسي أو الملتصقين بهم، ومن تدوينات علمية ووثائق منسوخة منذ القرن الرابع عشر الهجري، حيث نشطت حركة نسخ الكتب التاريخية والدينية على يد نخبة ثقافية من القرية، فضلاً عن الروايات والحكايات الشعبية، وما اختزن في العقل الجمعي من حقائق تاريخية.

كما تطرق إلى مرحلة تشكل القرية التي صاحبتها هجرة جماعية من قرى عدة، وخلص إلى أن قرية النويدرات ليست قديمة، وأن عمرها لا يتجاوز ثلاثة قرون ونصف، أما تسميتها فهو محط جدل، مشيراً إلى اجتهادات تفسيرية عدة وجد بعضها سطحياً وغير منطقي، فيما فرضية بعضها الآخر علمي وأقرب للحقيقة كفرضية، وقد اعتمد في عرضه على ثلاث روايات يتداولها أهالي القرية، أولها نسبة النويدرات إلى شخص يدعى «نويدر»، والثانية أن النويدرات تعنى الرطب المتميز، والثالثة فهي تفسير جغرافي لغوي.

أما بالنسبة للمؤرخ منصور محمد سرحان، فتحدث في سياق تأثر القرية بالحوادث العربية والقومية عن التعليم فيها، والذي أخذ مساره منذ أربعينيات القرن الماضي، مشيراً إلى تأثيراته في عملية التحول النوعي التي دفعت بجيل شباب القرية في ذلك الوقت للتوجه إلى اكمال تعليمهم العالي بالانتساب، مشدداً على ما تميزت به النويدرات من اندفاع أبنائها بهمة ورغبة للتعليم، انعكس على ما حققه قطاع كبير منهم من إنجازات علمية ومهنية، كما سرد حكاية تأسيس نادي القرية، والتأكيد على سمته الثقافية، وكذلك تأثير مجاورة القرية جغرافياً لمصنع تكرير النفط، وعمل بعض أبنائها في شركة بابكو، فضلاً عن قصة افتتاح أول مدرسة للبنات في القرية في مطلع سبعينيات القرن الماضي، حيث اشترط وزير التربية وقتها الحصول على عريضة موقعة من أهالي القرية بالموافقة على إرسال بناتهم للتعلم في المدرسة وقد تم ذلك، إذ إن التعصب لجهة تعليم الفتيات كان منتشراً آنذاك في بقية القرى وبعض مناطق البحرين بحسب شهادته.

مع خاتمة المشهد الجميل الذي تتبعناه عبر سردية المحاضرين عن تاريخ نشأة قرية النويدرات، ولكي تساهم عملية التأريخ التي يقوم بها الباحثون والمهتمون في تشكيل وعي معرفي ومرجعي عن القرية يكون له تأثير عميق ويمتد من جيل إلى جيل، تبقى الحاجة ملحة للتأكيد على أهمية فهم تاريخ الحوادث التي مرت بها القرية وأهلها بشكل مترابط وأكثر دينامية وبعيداً عن الشكل الجامد، كما لابد من تجنب بتر تطور الحوادث وتدفقها ومعالجتها، بعيداً عن سياق الصراعات والتناقضات التي حدثت في تاريخ المجتمع البحريني عامة، ذلك لأن الحوادث تبقى موجودة في ذاكرة أهل القرية الجمعية، وفي حكاياتهم وحاضرهم الذي يمثل في نهاية المطاف امتداداً لتاريخ أجدادهم في هذا الوطن، وما حدث إليهم في أزمنة الماضي.

ختاماً مهم التذكير أن التطرق إلى موضوع تعليم المرأة في القرية، تم بشكل هامشي وقد غابت سيرة المرأة الإنسانة عن حوادث التاريخ المروي، وكعادة ما يحدث في مجتمعاتنا العربية التي تحكمها عقلية ذكورية، فلم نستمع إلى حكايات الجدات، ولم نتعرف على شهادات الأمهات ومعاناتهن ولا مساهماتهن وأدوارهن في الأسرة الكبيرة أو المتوسطة أو الصغيرة التي تطرق إليها الباحث عبدعلي، ولم نتعرف على أبرز الشخصيات النسائية في القرية، وماذا حققن من إنجازات تعليمية ومهنية، فكل ما استمعنا إليه قصص الرجال وحكايات انتصاراتهم في التعليم والعمل. المرأة غائبة مبتعدة ومبعدة عن سلسلة الحوادث، وإن وجدت فيها فهو بصورة انتقائية، ويكاد هذا الأمر يمثل ظاهرة عامة في المجتمع المحلي والعربي، وهو يشكل تحدياً كبيراً أمام النساء أنفسهن ومعضلة عميقة تواجهها مجتمعاتنا المحلية، لم لا؟ وهي الغائبة الحاضرة في كل منحى من مناحي الحياة، وتمثل كما يقولون نصف المجتمع.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1227260.html