صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5328 | السبت 08 أبريل 2017م الموافق 23 شعبان 1445هـ

بقاء المريض دون علاج لمدة طويلة يعقد عليه الأمر

الاستشارية غردينيا الصفار لـ «الوسط»: مفهوم المجتمع الخاطئ للأمراض النفسية يفتح الأبواب أمام المشعوذين

قالت استشارية الطب النفسي غردينيا الصفار في لقاء مع «الوسط»: «إن عدم مراجعة الطبيب النفسي في حالة المعاناة من أي مرض نفسي خوفاً من نظرة المجتمع السلبية لهذا الأمر هو ما يدفع المريض للتعامل مع هذا الأمر أو تفسيره على أنه حدث بدافع الحسد أو الشعوذة، على رغم أن المؤثرات على الحالة النفسية والحالة الزوجية كثيرة ولكن الشعوذة ليست منها».

وواصلت أن «المريض النفسي يتأرجح في معاناته بين الأمرين لمدة طويلة في حين أن العلاج يكون أكثر يسراً لو لجأ المريض إلى الطبيب في بداية الأمر ولتمكن من الشفاء والرجوع إلى حالته الطبيعية».

وأشارت إلى أن «الخوف من الطبيب والعلاج النفسي يرجع إلى قلة الوعي وبعض من الدراما العربية التي تصف الطب النفسي بالعنف وسوء المعاملة واستخدامه للكهرباء في العلاج وغيرها». وفيما يلي نص اللقاء:

ما هو الاكتئاب؟

- الاكتئاب هو اضطراب مزاجي يعاني منه المريض ويؤثر على نفسيته ونظرته للأمور من حوله لمدة أسبوعين على الأقل، ولا يكون الاكتئاب بسبب حادث يومي حدث في ذلك اليوم كحادث سيارة، وبهذا الاستخدام الخاطئ نحن نقلل من مفهوم المرض وتأثيره على المريض.

ومن أعراض الاكتئاب تغير في المزاج عند المريض كالحزن أو التوتر الشديد ومنها أيضاً عدم استمتاع المريض بالأمور اليومية في حياته، أو قد يصاب بحالة من الإرهاق والتعب، ولا يقتصر تأثير الاكتئاب على نفسية الإنسان بل إلى حالته الجسدية فقد يصاب بالأرق أويستغرق المريض في النوم أكثر من العادة ويؤثر كذلك على شهيته والتركيز والذاكرة والحياة الجنسية.

كما قد يؤثر على نظرة المريض للأمور وطريقة تفكيره وقراءاته، فمثلاً قد تتفاقم الأمور وتخلق عنده شعوراً بالذنب أو يتطور الأمر عند عدم العلاج أو الالتزام بالعلاج عند المريض إلى تمنى الموت أو محاولة الانتحار.

هل نستطيع تصنيف الاكتئاب ضمن أحد الأمراض المزمنة؟

- الاكتئاب مرض مزمن بمعنى أن الشخص الذي يصاب بالاكتئاب قد يكون معرضاً للإصابة به مجدداً، ولكن من المهم أن ندرك أن المريض يمكن علاجه، وبذلك يستطيع المريض الرجوع إلى حالته الطبيعية بنسبة 100 في المئة في بعض الحالات.

هل يتم علاج الاكتئاب بالعقاقير أم بالعلاج النفسي؟

- في السابق كان الناس يعتقدون أن الدواء هو العلاج الوحيد لهذه الحالة وكان التخوف الشائع عند العامة أن مثل هذه الأدوية قد تؤدي إلى تلف مخ المريض، وقد أثبتت الدراسات والبحوث طبياً أن العقاقير هي العلاج الرئيسي في الطب النفسي ولمرض الاكتئاب عدة درجات متفاوته من الحدة قد تختلف من شخص إلى آخر، فإذا كان الاكتئاب الذي يعاني منه المريض من النوع الخفيف يبدأ الطبيب معه في هذه الحالة بالعلاج السلوكي النفسي لمحاولة تصحيح نظرته للأمور وتعامله مع الأشياء وتشجيع المريض على التركيز على حياته الاجتماعية وممارسة الرياضة والقيام بالأعمال التي يحبها أو يستمتع بها في السابق.

ما هو العلاج النفسي السلوكي؟

أما إذا كان الاكتئاب من النوعين المتوسط والشديد عندئذ يصبح لزاماً على الطبيب الدمج بين العقاقير والعلاج النفسي بجلسات حوارية حتى يتمكن المريض من مواجهة مختلف الظروف في حياته أثناء المرض، فمثلاً حين يمر المريض على شخص يعرفه ولا يسلم عليه لسبب ما قد يتفاقم الأمر في مخيلة الشخص المريض بطريقة سلبية قد تؤدي إلى ابتعاده عن المجتمع مما قد يزيد من شعور المريض بالوحدة والاكتئاب، فالعلاج السلوكي والحوار في هذه الجلسات النفسية تعلم الشخص كيف يرى الأمور والأشياء بمنظور مختلف وتساعده على تفسير الأمور بطريقة صحية فقد يكون هذا الشخص الذي لم يبادر المريض بالسلام مشغول البال إلى درجة لم يره.

مما قد يؤدي في نهاية الأمر إلى تغيير سلوك المريض، ومتى ما تعلم المريض التعامل مع الأشياء وبطريقة مختلفة أمكنه ذلك من السيطرة على حالة الاكتئاب وأصبح قادراً في السيطرة على أفكاره وتصرفاته.

لماذا نجد بعض الحالات لا تتماثل للشفاء؟

- حين تتقدم الحالة عند المريض قبل اللجوء إلى الطبيب قد تستغرق بعض الحالات مدة أطول للشفاء، كما أنه ليس هناك في الطب النفسي فحوصات طبية مثل الطب العضوي كفحص الدم أو إعطاء المريض المضاد الحيوي ليتشافى خلال أيام، ولكن في حالة الطب النفسي قد يستخدم أدوية مختلفة لمريضين يعانيان من الأعراض نفسها وذلك بحسب الحالة الصحية للمريض ولتفادي التأثيرات الجانبية للدواء على أحدهما. هذا مع الأخذ في الاعتبار أن التماثل للشفاء في حالة المرض النفسي لا تظهر أعراضه إلا بعد متابعة العلاج لمدة لا تقل عن أسبوعين على الأقل، ولكن المشكلة الأكبر هي أن المريض متى ما يتماثل للشفاء يسرع إلى وقف تعاطي العلاج مما يؤدي إلى انتكاسة جديدة.

هل يؤمن الطب النفسي وعلم النفس أن من الممكن علمياً لأمور خارجية كالشعوذة والسحر والجن التأثير على الإنسان؟

- في السابق لأن الناس لم تكن تعرف كيف يحدث المرض النفسي في الدماغ لجأ العموم على تفسيره على أنه ظاهرة خارقة لا نفهمها ونخاف منها سببها الجن أو السحر.

أما الآن طبياً وعلمياً أصبح من الممكن معرفة التغييرات الكيميائية التي تحدث في منطقة الدماغ وتسبب الأعراض النفسية التي نراها، ولذلك ستجد أن المريض مستقبلاً لن يذهب إلى الطبيب النفسي بل إلى طبيب الأعصاب في آن واحد لأن هذين الفرعين من العلوم سيندمجان معاً لارتباطهما ببعضهما وتكاملهما معاً.

أما لماذا لجأ الإنسان إلى تفسير المرض النفسي بالسحر والجن فذلك راجع إلى أن الناس في السابق لم تتمكن من تفسير المرض النفسي وفهمه ولغرابة المرض النفسي على الناس كان من الطبيعي أن يأتي التفسير له غريباً.

يفسر البعض أن عدم المقاربة في الفراش بين الزوجين أو النفور بينهما قد يكون السبب فيها الشعوذة أو ما شاكل. فهل هذا الأمر مثبت علمياً؟ أم أن الأمر يعود إلى مشاكل يعيشها الزوجان؟

- قد يمر الشخص المكتئب بفترة من العزوف عن المعاشرة الزوجية بسبب الضعف الجسماني عنده أو الحالة النفسية، ونحن حين نصل إلى هذا الموضوع نصل إلى منطقة محظورة أو محرم التحدث فيها أو عنها وهذا ما يفتح المجال إلى تفسيرها بأمور خارقة عن الفهم وخارجة عن السيطرة كالحسد والشعوذة.

وفي معظم الحالات التي تعاني أو تمر بهذه المشكلة قد لا يعاني أي من الزوجين من مرض عضوي ونصل بالعلاج النفسي إلى أن المشاكل بينهما سببها سوء تفاهم بين الزوجين ناتج عن أن كل منهما يعتمد على الآخر لحل المشاكل بينهما، بينما في الواقع يجب على كلا الزوجين السعي والعمل معاً لحلها.

فالمؤثرات التي تؤثر على الحياة الزوجية كثيرة ولكن الشعوذة ليست منها كما يقول الله جل وعلا «فَيَتَعَلَّمُون مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ» (البقرة: 102).

هل نستطيع أن نلقي اللوم على المريض، بأنه يلجأ للمشعوذين للتهرب من الواقع بسبب إصابته بمشكلة عضوية أو نفسية؟

- هذا الكلام غير صحيح، وبسبب نظرة المجتمع السلبية كلنا مسئولون عن هذه الظاهرة وخصوصاً من هم في موقع المسئولية والتأثير كالأطباء والصحافة والإعلام ويجب علينا جميعاً السعي لتصحيح هذه النظرة الخاطئة، فالقيام بتصوير المريض النفسي على أنه غير قادر على اتخاذ قراراته وأنه لا يستطيع أن يعيش حياة طبيعية وأنه خطر على المجتمع ووصم الطب النفسي بالعنف أو الهمجية في بعض الدراما العربية قد خلق حالات من الرعب لدى المرضى وساهم في التنفير وعزوف الناس عن العلاج النفسي، مع أن هذه الأمور لا تحدث في الطب النفسي الحديث، واليوم نجد أن أكبر مشكلة يواجهها الطبيب النفسي في مجتمعاتنا هي مسألة إقناع المريض بأن المرض النفسي هو كأي مرض عضوي قد يعاني منه الشخص كمرض السكري مثلاً.

هل من الصحيح أن نصف المريض النفسي بأنه «شخص مجنون»؟

- ليس هناك اسم أو معنى طبي لمصطلح الجنون ولذلك يجب أن يُحذف هذا التعبير من المصطلحات المستعملة لوصف المتابعين في مستشفى الطب النفسي.

لفظ مجنون يستخدم كوصمة تخيف الناس من عواقب الذهاب إلى المستشفى.

فهناك أمراض عدة في الطب النفسي أو مرض الذهان أو مرض الهلاوس ولكن ليس الجنون.

ما هو الصرع؟

- الصرع هو مرض عضوي نعرف أسبابه وطرق علاجه وهو يحدث عندما تتأثر كهرباء الدماغ بسبب التغيرات الكيميائية فيه وتؤدي إلى تشنجات في جسم المريض وهناك حالات مختلفة من الصرع، فالبعض قد يسقط على الأرض، والبعض نجده جالساً مكانه فاقداً للتركيز.

وقد تسبق حالة الصرع بعض حالات من «الهلاوس» وتكون مؤشراً على أن الحالة ستنتاب المريض.

من الطرق الحديثة في علم النفس العلاج عن طريق الإيحاء، فهل لك أن توضحي لنا ذلك؟

- يقوم العلاج في الطب الحديث العضوي والنفسي على الثقة بالطبيب المعالج، فإذا كان المريض لا يثق بالطبيب المعالج فلن يلتزم بأخذ الدواء بانتظام حتى وهو يعرف أن الدواء فعّال لصحته وصالح للاستعمال، وليس هناك ما يسمى العلاج بالإيحاء فقط فالعلاج بتكامل بالدواء.

كلمة أخيرة؟

- أكثر ما أتمنى أن يقوم المجتمع بدوره بشكل إيجابي وتوعية الناس بأن المرض النفسي هو مرض كأي مرض عضوي وأن يقوم المسئولون والجهات الإعلامية بتثقيف الناس بأن المريض النفسي يستطيع مزاولة حياته الطبيعية.

ومن أكثر الأمراض النفسية المعروفة هو مرض الفصام حيث يعتقد الكثير من الناس أن الشخص في هذه الحالة يعيش ولديه عدة شخصيات في الوقت نفسه وهو مفهوم خاطئ. ففي حالة الفصام يمر المريض بهلاوس تجعله يعيش ويسمع أو يرى الأمور بطريقة مختلفة عما يراها الناس.

وبسب التصوير الإعلامي الخاطئ لهذا المرض فالفصام يعد من أكثر الأمراض التي يخاف منها الناس.

وقد أثبت الطب الحديث أن 66 في المئة من الأشخاص الذين يعانون من الفصام يتعافون تماماً ويستطيعون العيش بشكل طبيعي.

وفي ظل متابعة العلاج يصبح المريض قادراً على العمل والزواج.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1228453.html