صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5328 | السبت 08 أبريل 2017م الموافق 14 شعبان 1445هـ

الفوضى الخلاقة

الكاتب: جعفر الصائغ - .

يعرف السياسيون الفوضى الخلاقة (Creative Chaos) بأنها حالة سياسية أو إنسانية يتوقع أن تكون في أفضل حال بعد مرحلة فوضى متعمدة الحوادث تقوم بها بلدان أو أشخاص أو مجموعات مجهولة ضد بلد أو كيان آخر. وغالباً ما يكون الهدف من ذلك هو تغيير الوضع السياسي في ذلك البلد من خلال إضعافه أو تدمير قوته الذاتية والمزايا التي تجعله قوياً مستقلاً متحرراً منافساً ونداً لهم.

ومن الأهداف أيضاً جعل أصحاب الأرض هم الذين يقومون بالهدم من خلال إشعال الفتن والنعرات الطائفية. وقد برز هذا المصطلح كثيراً خلال العولمة الرأسمالية وصعود الليبرالية الجديدة خلال العقود الثلاثة الماضية. وتتلخص فكرة هذه الفوضى في الهدم ثم البناء، أي عملية تدميرية كاملة للوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي وكل ما هو قائم من بنية تحتية وحضارة وثقافة ومرافق سياحية. وعندما تتحقق الفوضى الكاملة وتتحوّل القوة إلى ضعف، والأخلاق إلى فساد وانحلال، والغنى إلى فقر، وشعب معتمد على نفسه مستقر مبدع إلى شعب مرهق ذليل مشغول بالفقر والجهل والحرمان، بعدها تقوم تلك المجموعة الهدامة بإعادة بناء ما تم هدمه بهوية جديدة، وبعقلية ثقافية سياسية مختلفة تماماً تتوافق مع مصالحها. بمعنى أدق أن ما تريد تحصيله بالحوار السياسي بعشرين سنة يمكن أن تحصل عليه من خلال الفوضى بأقل من سنتين.

المؤرخ الأميركي تاير ماهان كان أول من كتب عن الفوضى الخلاقة العام 1902، وبعدها قام عدة مفكرين وكتاب بإشباعها بحثاً ودرساً وتعريفاً، منهم مثلاً المؤرخ الأميركي مايكل ليدن، وهو مستشار سابق لمجلس الأمن القومي الأميركي ومستشار الرئيس الأميركي الأسبق بوش، والذي صاغ نظرية «الفوضى البناءة» في منظور سياسي ميداني، حيث يقول فيها إنه لا مجال إلى الدبلوماسية في العمل السياسي في الشرق الأوسط، وينبغي الإسراع بتحقيق تغيير كامل في الشرق الأوسط وهدم الأسس والتقاليد القديمة ومن ثم إعادة البناء. فهو يرى أنه لا يمكن نشر الديمقراطية في هذه المنطقة الاستراتيجية، ولا يمكن تطوير واستقرار هذه البلدان إلا بالعنف والحرب الشاملة والقضاء على التقاليد والأيدلوجيات التي تحكم شعوب المنطقة، فيقول: «علينا تدمير الأنماط والنماذج والعلوم القديمة في الأدب وغيرها، وهذه مهمتنا التاريخية»، وهذا ما يسميه استراتيجية «الفوضى البناءة».

الولايات المتحدة الأميركية هي من الدول الأكثر استخداماً للفوضى الخلاقة كأداة استراتيجية مهمة، حيث تعتمد عليها في المحافظة على هيمنتها الاقتصادية والسياسية على العالم، وفي مواجهة البلدان التي تكنّ لها العداء. فبعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفياتي، أصبح هذا البلد القوة العظمى العالمية اقتصادياً وعسكرياً بلا منافس، فكان ذلك بمثابة الفرصة لها لصياغة النظام العالمي الجديد والتي تكون هي فيه القوة المهيمنة. فمنذ ذلك الحين وهي تدير الاقتصاد العالمي، وتؤثر بشكل كبير على القرارات السياسية العالمية، فأصبح بيدها قرار الحرب والسلام، وقرار الفقر والثراء في جميع أنحاء المعمورة. فهي تستخدم الفوضى الخلاقة للدول أو الجماعات التي تحاول الخروج من السرب الأميركي، مستندةً إلى قوتها المالية والاقتصادية وترسانتها العسكرية، وأساطيلها المنتشرة في جميع أنحاء العالم. وقد أوضح ذلك عدد من المسئولين الأميركيين في مناسبات عدة، عندما أشاروا إلى ضرورة اللجوء إلى نشر الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط، في سبيل إشاعة الديمقراطية.

لم تعد الفوضى الخلاقة حكراً على رجال السياسة، ولم تعد فقط أداة سياسية تستخدمها الحكومات في لعبتها السياسية وتحقيق رؤيتها المستقبلية، بل تحوّلت إلى أداة اقتصادية أيضاً، حيث تلجأ إليها الدول والشركات الكبرى للتغلب على منافسيها من شركات ومؤسسات إنتاجية. فعلى سبيل المثال فإن إغراق السوق بسلعة رخيصة، وخفض أسعار النفط بالطريقة التي نشاهدها منذ نهاية العام 2014 وفرض عقوبات وحصار اقتصادي على دول معينة، كلها تأتي تحت عنوان الفوضى الاقتصادية الخلاقة، والتي كان هدفها القضاء على عددٍ من المؤسسات الإنتاجية أو البلدان المنافسة، ومن ثم فرض الهيمنة واحتكار الأسواق والانفراد بالهيمنة.

لقد أصبحت الفوضى الخلاقة نهجاً وسياسة وأداة استراتيجية تعتمد عليها المجموعات والبلدان والمؤسسات الفاشلة التي تعجز عن اللحاق بمنافسيها سياسياً واقتصادياً وعلماً، وأصبحت غير قادرة على وقف تقدمهم ونجاحاتهم، حيث وجدت نفسها وقد استهلكت كل خياراتها وأدواتها الاستراتيجية في اللحاق بمنافسيها، وأدركت أنها في طريقها إلى الانحدار والهزيمة والفشل، فليس لديها غير اللجوء إلى هذا الأسلوب لتدمير منافسيها والتخلص منهم.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1228476.html