صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5356 | السبت 06 مايو 2017م الموافق 17 جمادى الأولى 1445هـ

ملاحظات على «سجلات»... حتى نستمر في «التباهي» به

الكاتب: أحمد صباح السلوم - .

ما زلتُ عند رأيي بأن مشروع «سجلات» واحد من أهم الأنظمة أو المشروعات التي نفّذتها وزارة الصناعة والتجارة والسياحة، وقد دشّنه صاحب السمو الملكي ولي العهد كخطوة مهمة ضمن الخطوات التي اتخذت لتنفيذ رؤية 2030 التي يتبناها سموه. وفي الواقع نحن نتباهى أمام الوفود الأجنبية التي تزور البحرين أو حتى تلك التي نقابلها خارج البحرين، بالكثير من الأمور التي حوّلها هذا النظام إلى واقع ملموس «أشبه بالحلم»، مثل استخراج السجل الجديد في ظرف 93 ثانية فقط! توفير الوقت والجهد على المستفيدين كونه يختصر عدد مرات تقديم الطلب لمرة واحدة ‏فقط، وكذلك عملية دفع الرسوم التي يمكن إنجازها في خطوة واحدة لجميع التراخيص ‏للجهات ذات العلاقة، بالإضافة إلى التنقل التلقائي للطلب من جهة إلى أخرى مع تحديد ‏مدة زمنية للجهات تلتزم بها للرد على الطلبات.‏. وغيرها من أمور جمعها النظام الجديد لتلافي سلبيات سابقه، وتحقيق طموح البحرين كبلد جاذب للاستثمار، والحفاظ على سمعتها الطيبة في مجال استقطاب الاستثمارات والمشاريع الإقليمية ‏والعالمية المختلفة.

وكانت نصيحتي منذ البداية في مقال عنوانه «سرعة الفيراري وأزقة المنامة»، أن يكون الجميع على استعداد لتطبيق النظام، وخاصةً أن الجهات المشاركة والمتعاونة كثيرة، وقلت أيضاً إنه مع التطبيق ستظهر بعض المشاكل الناجمة عن التعامل مع الواقع وهذا أمر طبيعي، ويجب بين الفينة والأخرى أن نتوقف لنقيّم الأمور ثم نعدّل وننطلق من جديد.

سعادة الوزير زايد الزياني من الوزراء الذين باتت لهم بصمة واضحة حتى مع قصر المدة التي تولى فيها المسئولية حتى الآن، ويعد أبرز مميزاته أنه متواصل ومنفتح مع الشارع التجاري، ولا يمانع على الإطلاق في السماع والتواصل وحل المشكلات، وأكثر من واقعة في الفترة الأخيرة شهدت ذلك بما فيها مشكلات مستوردي «التكييفات» ومصنّعيها، ومشاكل قطاع الذهب بشأن رسوم الدمغة وغيرها من قضايا أبدى الرجل تفهماً كبيراً لملابسات تطبيق القرار، ومنح الفرصة لتعديل الأوضاع في مرونة ويسر، وبعيداً عن تعقيدات الأداء الحكومي.

اليوم سنطرح بعض الملاحظات التي نتجت عن تطبيق القانون الجديد المميز «سجلات» ونتمنى أن يراعي الوزير تفادي هذه السلبيات، ليكتمل هذا النظام النموذجي في صورته المثلى ونحن دائماً نقول «الكمال لله وحده سبحانه وتعالى».

الملاحظة الأهم من وجهة نظري هي «إلغاء السجل في حال عدم التجديد في الموعد المحدد لذلك وبشكل فوري»، وقد أثبتت التجربة أن هذه الخطوة في غاية القسوة على التجار ناهيك عن بعض السلبيات الأخرى المترتبة عليها، ودعنا نطرح على القارئ العزيز هذا السؤال «التاجر عندما يريد أن يلغي سجلاً بإرادته التامة، ماذا يفعل؟».

يذهب التاجر إلى الجهة المعنية فتطلب منه شهادات من جهات أخرى (مثل هيئة سوق العمل، الكهرباء والماء، الداخلية) تفيد بأنه لا توجد عليه أي التزامات أو مطالبات أو مديونيات لهذه الجهات أو لآخرين، يتأكدون أنه لا توجد عمالة «في رقبته»، ولا توجد وراءه مشاكل يؤدي إلغاء السجل إلى التهرب منها مثلاً!

إلغاء السجل ليس بالأمر الهين اليسير، فهناك شركات لديها تعاملات مع البنوك (قروض وخلافه)، ولديها تعاملات مع شركات أخرى وأفراد، وربما يكون عليها قروض أو مستحقات أو تعهدات عمل أو غير ذلك، كيف في يوم وليلة إذا لم أجدّد سجّلي يتم إلغاؤه.. فما مصير كل هؤلاء؟

لقد عاقبنا مالك أو ملاك الشركة، ولكن ليس وحدهم، وإنما عاقبنا معهم العمّال الذين سيجدون أنفسهم في الشارع بين ليلةٍ وضحاها دون ذنبٍ يُذكر ومعهم عائلاتهم وأطفالهم، وفي دقيقة يتحوّل هذا العامل من شخص وجوده في الدولة مشروع وقانوني، إلى وضعية أخرى تماماً.. وهيئة سوق العمل ستلغي تأشيرته وأسرته فور إلغاء السجل مباشرة!

عاقبنا أيضاً كافة المتعاملين مع هذا السجل، إذا كان بنكاً أو شركة أخرى أو أفراداً لديهم مستحقات؛ بل الأخطر من ذلك هو كيف ستسترد هذه الجهات مديونياتها من كيان لم يعد له وجود أصلاً! وخاصة إذا كان فيه شركاء كثر، أي لن تنتقل المسئولية القانونية إلى شخص بعينه، وهذه «إشكالية قانونية» تتطلب رأي متخصصين في القانون في حقيقة الأمر.

نأتي إلى نقطة أخرى وهي إذا كان مالك السجل أو ملاكه ملتزمين وحالت ظروف «استثنائية» دون التجديد في الموعد لأي سبب كان، فإن عملية إعادة تجديد السجل أو تفعيله هي عقاب كبير في حد ذاتها ويجب التريث فيها لما يترتب عليها من أضرار كبيرة على صاحب العمل والعمال أيضاً!

أعلم جيداً أن غرض الوزير أو النظام من هذه الخطوة هو «إعادة فرز» السوق والتخلص من الشركات الوهمية، وأعتقد أن هناك الكثير من الإجراءات الأخرى التي اتخذت من قبل سعادته ساهمت في هذا الاتجاه ونقدّرها تمام التقدير، لكن أتمنّى من الوزير بما عُرف عنه من تفهم وسعة صدر، أن يعيد دراسة هذه الجزئية على وجه الخصوص لما يترتب عليها من أضرار لا تخصّ المخالف نفسه؛ ولكنها تعمّ الكثير من الشركاء الآخرين والعمال والموظفين.

وأقترح في هذا الصدد فرض غرامات متدرجة على المخالف على أن يكون إلغاء السجل في المرتبة الثالثة أو الرابعة من العقوبات ضد المخالفين، لكن إلغاء السجل بهذا الشكل كعقوبة أولى بخلاف أنه عقوبة قاسية في حد ذاتها، قد يساعد المخالفين أنفسهم على التهرب من التزاماتهم تجاه الآخرين وبمساعدة الحكومة!

ملاحظةٌ أخرى تتعلق باستغلال بعض الوزارات الأخرى للنظام الجديد في توقيف السجلات نتيجة للاحتياج لموافقتها على بعض الأمور والإجراءات، الخلاف بين التجار من أصحاب هذه السجلات وهذه الجهات (التي تتعنت في أحيان كثيرة) تكون محل نزاعات قانونية وأحياناً تكون القضايا بالفعل في المحاكم، انصياع التاجر لطلب الوزارة حتى لا يعطل سجله أحياناً كثيرة يضعف موقفه القانوني في النزاع.

والحل أن تفرض غرامة أيضاً حتى يحل النزاع القضائي، ويخرج السجل أو يجدّد وتستمر دورة الاقتصاد، لا يمكن أن ينجح اقتصاد يعطله موظف متعنت أو معقد لا يدري خطورة ما يفعله بتعنته!


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1237896.html