صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5357 | الأحد 07 مايو 2017م الموافق 14 شعبان 1445هـ

إفلاس صناديق التقاعد

الكاتب: جعفر الصائغ - .

نسمع بين حين وآخر عن إفلاس صناديق التقاعد، أو أنها وبناء على دراسات اكتوارية مهدّدة بفقدان قوتها المالية، وستكون عاجزة عن دفع معاشات المتقاعدين، وهذا أمر يقلق أسر الموظفين والمتقاعدين خوفاً على مدخراتهم، حيث أن الإفلاس يعني تدمير وضعهم المعيشي، خاصةً أن أكثرهم يعتمدون على المعاش التقاعدي كمصدر دخل رئيسي. فهل حقاً يمكن لصناديق التقاعد وكذلك التأمينات الاجتماعية أن تصل إلى حالة الإفلاس وتكون عاجزةً عن الوفاء بالتزاماتها المالية ويصبح كل هؤلاء المتقاعدين ضحايا؟

نظرياً يمكن طمأنة الجميع بأن الإفلاس قد لا يحدث أبداً لمثل هذه الصناديق، لأنه أولاً يفترض أن العملية التنموية الاقتصادية مستمرة، وأن هناك نمواً اقتصادياً يضمن استمرارية مساهمة (اشتراكات) الموظفين في الصندوق، وثانياً -وهو الأهم- من الصعب على أية دولة كانت أن تقبل أو تتحمل نتائج الإفلاس، لأنه باختصار قد يؤدي إلى فوضى اجتماعية اقتصادية وسياسية. فلا يمكن للحكومة في أي بلد كان بأن تسمح بانهيار أو حتى بضعف الصناديق الاجتماعية، ومهما كان السبب فالدولة هي مسئولة بدرجة أساسية عن أي عجز أو إفلاس في هذه المؤسسات.

المطلعون على واقع الصناديق الاجتماعية يعرفون تماماً أن هذه المؤسسات وُجدت لرعاية الموظفين والعاملين، وتوفير حياة كريمة لهم ولأسرهم بعد تركهم العمل إما بسبب التقاعد أو العجز أو الوفاة، إضافة إلى توفير العناية الطبية للمصابين منهم بإصابات عمل، وتقديم التعويضات اللازمة عند حدوث عجز مهني أو وفاة، وهذا جزء من النظام الاجتماعي الذي تعمل الحكومات على رعايته وتنفيذه.

وتعتمد صناديق التقاعد في عملها بشكل أساسي على الاشتراكات التي يدفعها الموظفون وأصاحب العمل (الحكومة بالنسبة للقطاع العام وصاحب المؤسسة بالنسبة للقطاع الخاص)، وتمثل هذه الاشتراكات نسبة من الراتب الأساسي، ففي البحرين مثلاً يدفع الموظف 6% بينما تدفع الحكومة 12% من الراتب الأساسي. وعلى هذا الأساس فإن هناك حقيقتين في غاية الأهمية، وهما أولاً أن الموجودات والاستثمارات وكذلك السيولة في هذه الصناديق تكون هائلة مقارنة بكثير من المؤسسات المالية الأخرى، ثانياً أن أموال هذه الصناديق هي في الواقع أموال الموظفين والمتقاعدين، وهم الأحق في معرفة الكيفية التي تُدار بها هذه الأموال ومجالات استثمارها. ولذلك في كثير من البلدان عندما تكون هذه الصناديق في وضع مالي صعب يفتح تحقيق شامل وشفاف في إدارة أصول وفوائض هذه الصناديق لغرض الوقوف على أي تقصير أو اختلال في عملية إدارة الأموال والممتلكات.

إن نجاح واستقرار هذه الصناديق يرتبط بشكل كبير بالوضع الاقتصادي للدولة بشكل عام، وبوضع سوق العمل بشكل خاص، إضافة إلى عوامل أخرى لا تقل أهمية مثل نظام التقاعد المعتمد الذي يضمن قدرة الصندوق على الوفاء بالتزاماته المالية، من خلال أن يكون عدد المساهمين قادراً على تغطية التزامات المستفيدين (المتقاعدين)، كما يعتمد أيضاً على الكيفية التي يتم بها استثمار الفوائض المالية للصندوق، وكذلك الكفاءة الإدارية لمجلس الإدارة، ومدى قدرته على منع سوء استخدام أموال الصندوق ومنع أيدي المفسدين من الوصول إليها.

إن استقرار ونمو الاقتصاد الوطني يعني زيادة التوظيف، وارتفاع الأجور والرواتب، وزيادة عدد المشتركين في صناديق التقاعد، ومن ثم زيادة مساهمتهم. بهذه الطريقة يستقوي الصندوق مالياً، وتتعزّز قدراته على الوفاء بالتزاماته المالية. إن استمرارية اشتراكات العمال والموظفين يعتبر شرطاً أساسياً لضمان ديمومة هذه المؤسسات، فكلما ارتفع عددهم كلما ارتفع حجم رأس المال للصندوق. ولا يمكن ضمان ارتفاع عدد المشتركين وزيادة اشتراكاتهم إلا من خلال اقتصاد مستقر مزدهر يحقق معدلات النمو المطلوبة، وله قاعدة إنتاجية متنوعة وقادر على خلق فرص عمل في مختلف القطاعات.

وعلى ذلك يمكن القول إن العدو الأول لاستقرار واستمرارية صناديق التقاعد هو ضعف الاقتصاد الوطني، فعندما يمرض الاقتصاد (ركود اقتصادي مثلاً) ويكون عاجزاً عن خلق فرص عمل للمواطنين، أو أن الدولة تعاني من انخفاض في إيراداتها العامة، وتعجز عن تمويل وإسعاف هذه الصناديق، فالنتيجة الحتمية ستكون عجزاً مالياً للصندوق، ومع استمرار تدهور الوضع الاقتصادي والمالي للدولة فقد يتفاقم العجز إلى إفلاس، وفي مثل هذا الوضع لن تكون صناديق التقاعد لوحدها في جدول المؤسسات المفلسة وإنما العشرات بل المئات من الشركات العامة والخاصة.

أما العدو الآخر فهو سوء استخدام الفوائض المالية (الفساد الإداري)، حيث أن حسن توظيفها من خلال عملية استثمارية مدروسة، يساهم في تنويع مصادر دخل الصندوق ويحميها من الإفلاس. الفساد المالي في مثل هذه المؤسسات يؤدي إلى تآكل مواردها المالية وانهيارها.

ماذا عن الوضع الاقتصادي الراهن؟ هل يساعد على إفلاس الصناديق الاجتماعية؟

على رغم صعوبة الوضع الاقتصادي الراهن في البحرين وبقية دول المنطقة، حيث انخفاض الإيرادات العامة بشكل كبير، وتقلص قدرة الدولة على تمويل المصروفات العامة وارتفاع الدين العام، إلا أنه يمكن القول إن الصناديق الاجتماعية لا تزال تتمتع بقوة مالية تمكّنها من الوفاء بالتزاماتها المالية. ولكن ومع استمرار بقاء أسعار النفط منخفضة واستمرار ارتفاع الدين العام، فإن الصناديق الاجتماعية ستبقى مهددةً بوضع مالي حرج للغاية، وقد يتجاوز تمويلها قدرات موازنة الدولة. ما قد يجبر ذلك الدولة على إعادة النظر في سن التقاعد ومزايا الصندوق وكذلك نسبة الاشتراكات لضمان استدامته.

إن طبيعة عمل الصناديق الاجتماعية يتطلب إجراء دراسات اكتوارية بشكل مستمر، وذلك لغرض التعرّف على المخاطر التي تحيق بالصندوق، والعمل على دراسة الحلول المناسبة لها. إن نتائج هذه الدراسات تكون في غاية الأهمية، وذلك لمنع ضعف وإفلاس الصندوق، كونها تكشف عن المخاطر المستقبلية، ومصادر الضعف والكيفية التي يمكن بها مواجهتها وإيجاد الحلول قبل ظهور المشكلة وتفاقمها.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1238195.html