صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5358 | الإثنين 08 مايو 2017م الموافق 08 رمضان 1444هـ

محمد علي العصفور وتاريخ البحرين (2)

الكاتب: وسام السبع - wesam.alsebea@alwasatnews.com

كنا قد عرّفنا في المقال السابق بكتاب الشيخ محمد علي آل عصفور (ت 1945م/ 1365هـ) «الذخائر في جغرافيا البنادر والجزائر»، المُسمّى بـ«تاريخ البحرين»، بوصفه أحد الكتب التي لها اتصال وثيق بتاريخ بلدنا وأعلامه وشعرائه على رغم محدودية انتشاره.

وسنستعرض اليوم بعض الأفكار العامة الأخرى بشأن الكتاب، بهدف التعريف به وبأهميته، تاركين بعض التفاصيل إلى مناسبة أخرى.

جاء تصنيف الكتاب مطلع القرن العشرين فيما كانت هناك جهود متوازية يقوم بها الشيخ علي بن حسن البلادي (ت 1922م/ 1340هـ) في الموضوع ذاته، في شرق شبه الجزيرة العربية بالقطيف، فقد كان الشيخ البلادي في تلك الفترة يكتب كتابه الذي سيقدّر له أن يحقق شهرة ورواجاً أكبر، وهو كتاب «أنوار البدرين»، غير أننا لا نجد في الكتاب أثراً لنقل مباشر من كتاب البلادي، ولعلّ المعاصَرَة كانت حائلاً دون أخذ المصنّف عن معاصِرِه البلادي أو العكس، لأنه قد يتعذّر أخذ المتعاصرين بعضهم عن بعض بالصورة التي يتم فيها أخذ اللاحق عن السابق؛ لأسباب يرتبط بعضها بعدم انتشار الكتاب بالطريقة التي ينتشر بها الآن بفضل الطباعة الحديثة، وربما ارتبط بعضها بحيثيات شخصية خاصة.

أما أبرز الملاحظات التي يمكن إيرادها بشأن القسم الثاني من الكتاب (الباب الحادي عشر)، والذي جعله المصنّف «في ذكر محاسن أهل البحرين وشعرائها وعلمائها»، هو انعدام المنهجية الواضحة في ترتيب أعلامه، إذ لم يعتمد المصنّف في التقسيم على أساس الطبقات والقرون، ولا على أساس الحروف أو الوفيات، إنما جاءت الأسماء تباعاً كيفما اتفق، والذي يبدو أن المؤلف كان لديه معيار رئيسي في عمله، حدّده هو بقوله: «وذكرتُ فيها مئةً وتسعين رجلاً من العلماء المشهورين والأدباء المعروفين من تلك الجزيرة، وفي خلال هؤلاء قوم علماء لم نذكرهم؛ لأنهم لم يشتهروا ولم يُؤخذ عنهم وإنّما شهرة العالم بمصنفاته ومؤلفاته»، فكأنما أراد المؤلف أن يضع معجماً للمؤلفين من أهل البحرين، لكننا وجدنا أنه لا يلتزم -في بعض الحالات- بهذا الشرط أيضاً، فيترجم لأعلام يعترف بعدم وجود مصنفات لهم، أو عدم وقوفه عليها، أو يتغاضى عن هذه النقطة مكتفياً باستعراض ما توفّر لديه من معلو مات عن الشخصية التي يكتب عنها.

وإذا ما تجاوزنا مسألتي ترتيب الأسماء ومعيار الاختيار، فإننا نلاحظ أن المؤلف كان ملتزماً في أغلب التراجم بمنهجية موحّدة في تركيب عناصر الترجمة، إذ يبدأ بالاسم والنسب، ثم الصفات العلمية، ثم يورد نماذج من شعره إن كان من الشعراء، ومقطوعات أدبية نثرية إن كان من الأدباء، ثم مؤلفاته، وأخيراً تاريخ وفاته ومكان قبره، عدا في حالات قليلة نراه يخرج عن هذه المنهجية.

ولقد أسدى المصنّف خدمة جليلة لتاريخ بلدنا، فقد ترجم لأعلام لم نقف على ذكر لهم في المصادر التي وقفنا عليها، ولعلّه نقلها من مخطوطات علمية كانت مكتبة أسرة آل عصفور تحتفظ بها في بوشهر.

ومن الملاحظات الجديرة بالاهتمام أيضاً، أن النُّسخة الخطّية من الكتاب تمّ الفراغ منها في 12 شعبان 1319هـ (24 نوفمبر/ تشرين الثاني 1901م)، وإذا ما علمنا أن المُصّنف وُلد العام 1872م (1289هـ) فهذا يعني أنه انتهى من وضع كتابه وله من العمر 30 عاماً وهو في شرخ الشباب، ويعني أيضاً أن المؤلف عاش 44 عاماً بعد تأليف كتابه!

وهذا ما يفسح المجال للإعتقاد بأن الشيخ محمد علي آل عصفور ربما كتب مُبيّضةً للكتاب زاد عليها أو حذف منها، وأن هذه النسخة -مع طول العهد الذي يفصل بين تاريخ الفراغ من الكتاب ووفاة المصنّف- ما هي إلا مُسودة أولى للكتاب.

والذي يلوحُ من عبارات الكتاب وطريقة تقسيمه، أنه لا يعدو أن يكون مُسوّدة، ولا يبعد وجود نُسخة أخرى أتمّ وأضبط للكتاب قد تظهر بعد حين. ويحملنا على هذا الاعتقاد ما أورده التاجر في «المنتظم» من اقتباسات لا تتطابق مع نصّ المخطوط الأصلي للكتاب.

وحيث أن كتاب «الذخائر» يُعدّ أول كتاب يصنّف في تاريخ البحرين مطلع القرن العشرين، فقد أفاد منه كلُّ من كتب بعده في تاريخ البحرين الثقافي والتاريخي، إذ أفاد منه محمد علي التاجر، وليس دقيقاً ما ذكره عبدالرحمن الشقير في مقدمة «قلائد النحرين» للخيري من أن النبهاني والخيري والتاجر لم يفيدوا من كتاب العصفور هذا، بل الصحيح أن التاجر استفاد منه في «منتظم الدرّين» وصرّح هو بذلك، وكذلك استفاد من الكتاب في «عقود اللآل»، ولكن دون تصريح هذه المرّة.

من جهة أخرى، فإن من أبرز الإشكاليات التي يواجهها الكتاب لجوء المُصنّف إلى تفسير وتقديم مبسّط وساذج لبعض الحوادث السياسية المتأخرة، وربطها فقط بالبواعث الدينية والمذهبية، وإغفال الحسابات السياسية والاجتماعية التي كان يحتكم لها إقليمٌ يعيش فوضى كاملة وحروباً قبلية طاحنة على الموارد والثروات، ومثل هذا النوع من التفسيرات من الصعب أن تفوز برضا القارئ وقناعته اليوم بشأن الحالة التي كانت عليها الجزيرة في القرون الماضية.

بقي أن نؤكد أن الكتاب نُشر مرتين، فقد نشره في المرّة الأولى الشيخ محمد عيسى آل مكباس عام 2001م (1422هـ)، الكتاب بعنوان «الذخائر في جغرافيا البنادر والجزائر»، وقد نفد من المكتبات التجارية منذ سنوات. أما النشر الثاني للكتاب، فقد جاء بعد سبع سنوات من النشر الأول، حيث نشرته صحيفة «الوسط» البحرينية ضمن سلسلة كتاب للجميع، العدد الأول، مع عددها الصادر يوم الإثنين، 8 سبتمبر/ أيلول 2008، بعنوان ملتبس «تاريخ البحرين ومحاسن أعلام العلماء والشعراء»، فلا النشرة الأولى يُعرف أنها «تاريخ البحرين»، ولا النشرة الثانية تُعرف بأنها «الذخائر»!


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1238535.html