صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5365 | الإثنين 15 مايو 2017م الموافق 05 شوال 1445هـ

المفكّر التونسيّ محمّد الطالبي... رجل بقامة قرْن

الكاتب: سليم مصطفى بودبوس - slim.boudabous@alwasatnews.com

اختاره الله تعالى إلى جواره بعد مسيرة عطاء استمرّت قرابة ستة عقود، وافاه الأجل عن سنّ ناهزت 96 سنة بعد رحلة مثيرة بين البحث والتأليف والتدريس والتأسيس والتجديد في الفكر الإسلاميّ. رحلةٌ ملؤها العطاء والنضال والسؤال والجدال، انتهت برحيله عنّا يوم الحادي من مايو/ أيار العام 2017، فقد رحل أحد أعمدة الجامعة التونسية ومؤسسيها وباني أجيال من الباحثين والجامعيين. رحل محمّد الطالبي وخلّف وراءه ألف سؤال لم يُجب عنه.

غادرنا، فتصدّر خبر وفاته وسائل الإعلام العالميّة والعربيّة، ونعاه القريب والبعيد، في الداخل والخارج، لأنّ مؤلفات الفقيد وآراءه الجريئة لم تتوقّف عند حدود بلاده، وإنّما سافرت في الآفاق حين اختار أن يكتب باللغة الفرنسية وهو المتخرج من جامعة السوربون، والحائز على الدكتوراه ببحث في التاريخ الإسلاميّ عن الدولة الأغلبيّة. انتشر خبر وفاته واهتمّ به الصديق والعدوّ، الموافق والمخالف، العلمانيّ المتحرّر والسلفيّ المتشدد... لأنّ الجميع لم يسلم من نقد محمد الطالبي، لكن على رغم ذلك لم يكن بدّ من أن يقف الجميع إجلالاً له ولعلمه ولدوره الرائد على مدى ستين عاماً من العطاء المتواصل.

ويُعتبَرُ محمد الطالبي أحد طلائع أساتذة الجامعة التونسية غداة تأسيسها؛ فقد درّس التاريخ الإسلامي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتونس قبل أن يشغل منصب عميد لنفس الكلية ثمّ رئيساً لجامعة تونس. إنّه من جيل الروّاد الذين كرّسوا حياتهم بإخلاص للبحث العلمي والرسالة التربويّة، ومن الرعيل الأول من المؤسسين في الجامعة التونسية على غرار الشاذلي بويحيى وأحمد عبد السلام وعبد القادر المهيري ومحمد عبد السلام ثم هشام جعيط. والعارف بالجامعة التونسية يدرك مدى تأثير هذه الكوكبة من رواد البحث العلمي في الآداب والعلوم الإنسانية في بناء مدرسة فكرية تميّزت بها الجامعة التونسية.

ولم يكن الفقيد بمنأى عن الفعل الثقافي أو الحراك المجتمعي والسياسيّ، ولم يكن من الذين يُؤثِرون السلامة والتربع على عرش الفكر منزوياً في برج عاجيّ بحجّة الانغماس في البحث والتأليف كما درج على ذلك الكثير من «المثقفين» زمن الاستبداد. وإنّما كان الراحل فاعلاً في المشهد الثقافي والسياسي بتونس؛ فقد ترأَّس في ثمانينات القرن الماضي اللجنة الثقافية الوطنيّة، وناضل ضد القمع والاستبداد ضمن المجلس الوطني للحريات العام 1995، ودافع عن الرابطة الوطنية لحقوق الإنسان، وصدع بآرائه ضد نظام الاستبداد في عهد المخلوع زين العابدين بن علي، بل كان يحرج الأحزاب المعارضة حين يُدلي بآرائه في مقراتها عن الحرية والاستبداد، حيث كان يقول ما لا تجرؤ هي على قوله. وتولى محمد الطالبي أيضاً رئاسة بيت الحكمة بقرطاج (المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون) العام 2011.

وقد تخللت هذه المسيرة إصدارات ناهزت الثلاثين كتاباً، طرح فيها الطالبي عصارة فكره ونتائج بحثه، من ذلك كتابه «إسلام معاصر» و»ليطمئن قلبي» و»عيال الله» و»أمّة الوسط»، حيث دعا من خلالها على امتداد أكثر من نصف قرن، إلى نظرة متجددة للفكر الإسلامي، يلامس فيها التجديد الفكري المحافظة على ثوابت الاعتقاد. لذا كان شرساً في مواجهته للتشدد الديني على قدر شراسته في نقض العلمانية.

ولا يخفى مدى انزعاج الكثيرين من آرائه لا سيما مواقفه الداعية إلى الفصل بين العقيدة والشريعة، إذ اعتبر العقيدة مبدأً إيمانياً ثابتاً يخضع للحرية الفردية، في حين أنّ الشريعة فعل تاريخي ناتج عن اجتهادات في سياقات تاريخية محددة قابلة للتطوير والتغيير. وقد اتكأ في ذلك على منهج الفكر المقاصدي الذي يرى أنّ دلالات النص تكمن فيما يرد تحقيقه وما يهفو إليه، لا فيما يعلنه بصريح اللفظ.

كما اعتبر أنّ النص القرآني هو الوحيد المتفق عليه والمؤسس لكل رؤية إسلامية، ونفى أن يكون الحديث مصدراً للتشريع، نظراً لشدة الاختلاف في مدى صحّته وهشاشة العلم المتأسس عليه علم الجرح والتعديل المتعلق بالسند أساساً. ولذلك سمّى نفسه بالمسلم القرآني وأسس الجمعية الدولية للمسلمين القرآنيين العام 2012 وترأسها إلى نهاية العام 2016 حين حالت وضعيّته الصحية دون استمراره على رئاستها.

غير أنّه، وخلافاً لبعض معاصريه، لا يرى مجالاً للتفكير في التحديث والحداثة خارج الإطار الثقافي العربي الإسلامي، ورفض استنساخ النماذج الفكرية والحضارية الغربية، وإنما دعا إلى محاورتها بشكل علمي بعيداً عن الأيديولوجيا. وذهب بالدعوة إلى الحوار إلى أبعد من ذلك فكان من دعاة الحوار بين الأديان.

ولئن أقصى الإعلام قبل الثورة في تونس المفكر والمجدّد محمد الطالبي، ولم يكد يعرفه غير بعض المثقفين والمهتمين بشأن التجديد الديني، فإنّه جذب الانتباه بعد الحادي عشر من يناير 2011؛ حيث شهدت البلاد مراجعات فكرية ومساجلات تتعلق بالهوية، وأطلقت الحرية للإعلام فاستضاف محمد الطالبي، وحاول إحراجه بأسئلة ساذجة تسعى إلى اختصار فكره في مجرد أقوال معزولة عن سياقاتها كتحليل الخمرة أو غيره. ولكن وعلى رغم وعيه بالأبعاد الخبيثة لبعض وسائل الإعلام، إلا أنه لم يتخلّ عن آرائه؛ بل عرض أفكاراً لم يألفها عموم الناس حتى كتبوا على بيته «هنا بيت الشيطان»! رحم الله الفقيد، مهما اختلفنا معه، فقد كان رجلاً بقامة قرن.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1240851.html