صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5368 | الخميس 18 مايو 2017م الموافق 17 جمادى الأولى 1445هـ

الأزمات في افتعالها والمنتصرون للحياة

الكاتب: سوسن دهنيم - Sawsan.Dahneem@alwasatnews.com

لا يحتاج الإنسان إلى أن يُحكِّم عقله في استواء الأمور وفي الاستقرار. عقله في حركة دائمة عما يوطد دوره. لا تبرز ضرورة تحكيم العقل والضمير أيضاً إلا في القلاقل والاضطراب وهيمنة الغشاوة. ولا طريق يمكن أن يُشكِّل منفذاً وإنقاذاً للإنسان من كل ذلك سوى بتحكيم العقل وحضور الضمير.

تقصر أعمار البشر في ظل الاضطراب والقلاقل. تقصر بمعنى أنهم في غفلة عن الزمن، والإنجاز الذي يمكن أن يتحقق في ظل الاستقرار. لم يتأتَ للأمم والحضارات أن تُنجز وتحقق وتقفز بمستويات أوضاعها إلى الأفضل لولا الاستقرار. لم تسيَّد الأمم وتنعم بالخيرات، ويتفتَّق الذهن البشري إلا في أزمنة كان فيها الاستقرار سائداً. خلاف ذلك، ظلت منشغلة بتوفير الحد الأدنى من متطلباتها، والحد الأدنى من إعمال عقول أبنائها.

توافر ظروف من قبيل الاضطراب والقلاقل والتهديد تحتّم عليك الانشغال بما يضمن حياتك، ويجنّبك المخاطر والتهديدات سيكون على حساب ما يمكنك أن تقبض وتهتدي إليه، سعياً وراء يُسْر تلك الحياة ورفاهيتها، أو على أقل تقدير، توفير المتطلبات التي تعينك على ضراوة الحياة.

المنتصرون للحياة وقيمتها وحدهم الذين ينأون بها عن الاضطراب والقلاقل، ويحتاج ذلك النأي إلى توافر ضمانات يتيحها القانون والعدالة وتعميق وتكريس مبدأ المواطنة الذي يضمن الحقوق مقابل الواجبات.

ثم ما الذي يمكن أن تنتجه أوضاع الاضطراب والقلاقل للبشر والأوطان سوى الغياب عمَّا يدور من حولهم من سَبْق وقفزات وإمساك بمجهول، يتيح لها فضاءات لا نهايات لها من تجاوز الصعاب والمشكلات؛ ما يمنحها قدرة على تحصين ذاتها من شرور الطارئ، وخبث المجهول؟

والمنتصرون للحياة سبّاقون دائماً إلى الحيلولة دون ما ينغص الحياة، ويتحوّلون إلى سدود تمنع كل محاولات بث الفتن وترويج الفرقة وضرب إجماع الناس على الخير والحب والسلام، وكل ما من شأنه إعلاء قيمة الحياة وبالضرورة إعلاء قيمة الانسان الذي هو عصبها وأساسها.

والمنتصرون للحياة على وفاق مع ما يجعل تلك الحياة موضع رفاهية ويسر وتحقيق للعدل وانحيازاً إلى العقل. لا يُصنَع كل ذلك ولا يتحقق بفعل جنون؛ بل بفعل إبداع وبحث وسعي وراء ما يزيد هذه الحياة يسراً فوق يسر، ورفاهية فوق رفاهية.

لا أرض ولا مخلوق يخلو من أزمات. ذلك جزء من سنة الحياة وطبيعة الحركة فيها والعمل، لكنها أزمات لا تورّث دماراً جماعياً يصيب أذاها وشرها القاصي والداني. أزمات قد تكون مدخلاً لحصانة البشر في مجموعهم والإنسان وحده في مواجهة تلك النوعية من الأزمات. تربّي فيه القدرة على البحث عن حلول ومخارج. ولا يتركه المجموع البشري في استواء ضميره وأخلاقه نهباً لها. لكن الأزمات التي يتم تخليقها هي التهديد للنوع البشري والتهديد للحياة في نهاية المطاف. أزمات وليدة افتعال لا يرمي أصحابها والذين يقفون وراءها سوى تدنيس كل قيمة جميلة، وكل نُبل في هذه الحياة، وتحويلها إلى بُقع من خراب لا أثر للحياة فيه.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1241927.html