صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5372 | الإثنين 22 مايو 2017م الموافق 06 شوال 1445هـ

الخميس الأسود في براك الشاطئ

الكاتب: سليم مصطفى بودبوس - slim.boudabous@alwasatnews.com

«القاتل ليبيّ والمقتول أيضاً ليبيّ، ولا حول ولا قوة إلا بالله»... بهذه الكلمات أنهى المجلس الرئاسيّ لحكومة الوفاق الوطنيّ في ليبيا بيانه الصادر يوم 19 مايو/ أيار الجاري، بشأن الاعتداء العسكري على قاعدة براك الشاطئ الجويّة.

جملة اختصرت الوضع الهشّ في القطر الليبيّ الشقيق بسبب حالة الاحتراب والاقتتال الداخليّ الذي تخفّ وطأته حيناً وتشتدّ حيناً آخر، بحسب تطوّر المواقف السياسيّة؛ إذ العمليات العسكرية في ليبيا أضحت جزءًا وازناً في المواقف السياسيّة، فحقيقة الميدان قد ترجح كفة هذا الجناح أو ذاك. وتأتي عملية براك الشاطئ يوم الخميس الماضي اختباراً دقيقاً لنوايا بعض الأطراف الليبية الفاعلة، ولا سيما منها ذات الأجنحة العسكرية وذلك بعد لقاء «أبو ظبي» الذي جمع أول الشهر المشير خليفة حفتر بفائز السراج. فما ملابسات عملية قاعدة براك الشاطئ الجوية؟ وما تداعياتها على الوضع السياسي والأمنيّ في ليبيا؟

بالعودة إلى تسلسل الحوادث، فقد شنّت، يوم الخميس 18 من مايو، عناصر من القوة الثالثة، وهي مجموعة مسلّحة موالية للمجلس الرئاسي، عمليّة عسكرية ضدّ مقرّ قيادة قوّة اللواء 12 الموالية للمشير خليفة حفتر والمتمركزة في قاعدة براك الشاطئ الجوية الواقعة جنوب طرابلس (700 كم) في منطقة صحراوية مهمّشة حيث الدولة شبه غائبة. وقد اختلفت تصريحات المسئولين من كلا الطرفين بشأن عدد القتلى، وتراوحت بين 60 قتيلاً وعشرات الجرحى بحسب متحدّث عن حكومة الوفاق الوطني و141 قتيلاً وعدد من الجرحى وعدد كبير من القتلى سقطوا جراء إعدامات موجزة، حيث لوحظ وجود آثار طلق ناري في الرأس أو العين، بحسب المتحدث باسم الجيش الوطنيّ الليبيّ التابع للمشير حفتر.

واللافت أنّ وزارة الدفاع بقيادة مهدي البرغثي كانت قد أدرجت قوات اللواء 12 ضمن مسلحي تنظيم «داعش»، وعليه فإنّ أيّة عمليّة ضدّ هذه القوة إنّما هي حرب لتطهير ليبيا من الإرهابيين. غير أنّ قوة اللواء 12 قد دانت بالولاء منذ مدة إلى المشير حفتر وصارت تعمل تحت إمرته، وغدا قائد قوة اللواء 12 رقماً مهماً في حرب حفتر ضد الإرهاب وفي تعديل موازين القوى. وعليه فقد اعتبر المشير حفتر اعتداء القوة الثالثة التابعة لحكومة الوفاق الوطني على قوة اللواء 12 الموالية له ضرباً للهدنة المبرمة مع المجلس الرئاسي بقيادة فائز السراج، وتوعّد حفتر «القائد العام للجيش الليبي»، مساء الجمعة برد «مزلزل وقاسٍ» على ما وصفه بالهجوم الهمجي على جنود الجيش التابعين للواء 12 بقاعدة براك الشاطئ الجوية، واعتبر أنّ هذه العملية قادتها «ميليشيات مارقة لا عهد ولا ذمة لها».

وحمّل حفتر المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق مسئولية هذا الهجوم، معتبراً أنها «نقضت عهد الهدنة الذي تمّ الاتفاق عليه سابقاً في سبيل منح فرصة لاختبار نوايا سلام رعاة هذه الميليشيات المتطرّفة»، واتهم عناصر تابعة لـتنظيم «القاعدة» الإرهابي بأنّه من قام بعمليات التصفية للجنود والضباط.

ومن جهته، سارع السرّاج في بيان المجلس الرئاسي إلى نفي ضلوع حكومة الوفاق الوطني في ما جرى وأكّد أنّ «المجلس لم يصدر أيّة تعليمات لوزارة الدفاع... وهو لن يتورّط أبداً ومهما حدث من استفزاز في إراقة دم الليبيين». كما أدان البيان العملية بشدة وأمر المجلس الرئاسي بتوقيف وزير الدفاع مهدي البرغثي وآمر القوة الثالثة العقيد جمال التريكي وتحويلهما إلى التحقيق. وكان وزير الدفاع قد نفى صدور أية أوامر للهجوم على براك الشاطئ، في حين زعمت القوة الثالثة أنها تأتمر بأوامر السراج ونائبه، وأنّ لديها إثباتات مكتوبة وصوتية تثبت تلقيها تكليفات وأوامر شفهية مسجلة بالصوت لمهاجمة براك الشاطئ.

وقد ردّ بعض المتابعين للشأن الميداني العسكري في ليبيا العملية الأخيرة إلى الاستفزازات المتكررة للقوة المتواجدة بالقرب من القاعدة العسكرية، وإلى قصف القواعد الأخرى التي يسيطر عليها المجلس الرئاسي، فضلاً عن الاستعراض العسكري لقوات الجيش الليبي بقيادة حفتر بمناسبة ذكرى انطلاق «عملية الكرامة»، والذي رأت فيه أطراف عسكرية أخرى استفزازات جديدة. في حين عقد كثيرون الصلة بين لقاء أبو ظبي غير المرحب به وعملية براك الشاطئ؛ إذْ يُعْتَبر هذا الهجوم حلقة في مخطط يستهدف تقويض فرص التسوية التي جرى التأسيس لها في اللقاء التاريخي بين السراج وحفتر في أبو ظبي، وأكّدت مصادر مختلفة أن هذه العملية تأتي بهدف كسر شوكة «الجيش الوطني» وإحراج السراج ومنع أيّ تقدّم في حواره مع حفتر.

وإذ لا يشك عاقل ولا متابع في صدق نوايا السراج، فإنه وبالنظر إلى ضعف الدولة يشكّ في قدرته على السيطرة على الميليشيات العسكرية المتفرقة هنا وهناك، في طرابلس وفي غرب ليبيا عموماً كما في الجنوب، خاصةً أنّ بعض هذه الميليشيات وإن أظهرت ولاءها إلى حكومة السراج منذ انتصابها في البلاد 2016، فإنها لم تخف تململها في أكثر من مناسبة ولا سيما بعد لقاء أبو ظبي الذي لم تقتنع به فصائل كثيرة وقوى سياسية ذات توجهات إسلامية في طرابلس.

والأكيد أنّ هذا التصعيد الخطير مثل سابقيه سيجهض الجهود المبذولة لحقن الدماء، وتحقيق المصالحة الوطنيّة والاستقرار في البلاد. لكنّه يؤكد مجدداً أن الحلّ في ليبيا لا يمكن أن يكون عسكريّاً، وأنّ العودة إلى المبادرات الإقليمية الداعية إلى حوار ليبيّ/ ليبي متكافئ ودون إقصاء، هو الحلّ الأمثل والسبيل الأقوم للخروج بليبيا من هذا النفق المظلم وحتى لا يتكرّر الخميس الأسود الماضي.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1243071.html