صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5378 | الأحد 28 مايو 2017م الموافق 11 ربيع الاول 1442هـ

أتى من «صورة العالم العائم»...

لندن تستضيف «ما وراء الموجة العظمى» للياباني هوكوساي

افتتح في المتحف البريطاني في العاصمة (لندن) يوم الخميس الماضي (25 مايو/ أيار 2017، معرض الفنان الياباني كاتسوشيكا هوكوساي والذي يحمل عنوان «ما وراء الموجة العظمى» ويستمر المعرض إلى 13 أغسطس/ آب المقبل، لينتقل بعد ذلك إلى متحف أبينو هاروكاس للفنون بأوساكا، عرضاً لفعالياته في الفترة ما بين 6 أكتوبر/ تشرين الأول إلى 19 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.

تفاصيل عن المعرض والأعمال التي ستكون ممثلة فيه، وإضاءة على حياة الفنان الياباني، نقرأها في تقرير كتبه جون بول ستونارد في صحيفة «الغارديان» يوم الجمعة (19 مايو/ أيار 2017)، إلى جانب إضاءات أخرى مستلَّة من عدد من التقارير.

وستكون اللوحة التي هي بمثابة أيقونة «Great Wave» الموجة العظمى، والتي تجسد جبل فوجي مركز الأعمال الأخرى التي أنجزها الفنان في بحر 3 عقود، والتي تتراوح بين الرسومات والمطبوعات والكتب المصوّرة.

كتب هوكوساي، وهو في سن التاسعة والثمانين: «لو منحتْني السماءُ عشرَ سنوات أخرى أو حتى خمس سنوات... لأصبحتُ فناناً حقيقياً»، في ذهاب إلى الحياة من حيث ثمرتها، والمُدهش فيها ومنها. لا يخضع المرء إلى سنوات تثقل كاهله، وتحدّ من طاقاته وإبداعه.

هل أصبح كاتسوشيكا هوكوساي غير مبالٍ عندما أحيط بهالة من الضوء كأنها روح الإلهام الغامض حين بلغ سن الخمسين، وتحديداً في العام 1810م، ليتم تذكُّره كفنان شعبي اشتغل ضمن الحركة الفنية التصويرية التي عُرفت بـ «أوكيو - إي»، التي ظهرت في مطلع القرن السابع عشر للميلاد؟ «تقوم الحركة على الرسم (الطباعة برسوم بارزة)، ويتم نحت الرسومات على ألواح خشبية أولاً ثم تُطبع على الورق.

الكلمة نفسها تعني (صورة العالم العائم)، في إشارة إلى الطبيعة المتقلّبة، الظاهرية والمؤقتة للأشياء في العالم الدنيوي. عرف هذا الفن عهداً ذهبياً في فترة إيدو (فترة إيدو تمتد من العام 1603 إلى 1868م، وهي آخر الفترات من تاريخ اليابان القديم، مهدت هذه الأخيرة لقيام فترة (أو عهد) مييجي، وقد اعتبرت هذه الأخيرة بداية التاريخ الحديث للبلاد)؛ إذ قام الحرفيون بتكييف تقنيات الرسم المعروفة، لإنتاج مجموعات كبيرة من الصور ذات كلفة قليلة، موجهة أساساً للباعة والتجّار). اليوم بالكاد يُعرف هوكوساي كشخصية فنية عظيمة.

عمله الأخير «التفتح المتأخر» (موضوع معرض، هوكوساي: ما وراء الموجة العظيمة)، مذهل حقاً - كان في السبعينات من عمره حين أنجز أشهر سلسلة من المطبوعات «مشاهد جبل فوجي الستة والثلاثون»، بما في ذلك عمله «الموجة العظمى» الشهيرة، وهي الصورة التي اجتاحت العالم في وقت لاحق.

الرسومات تتبع نمط أوكييو- إي التقليدي المكوّن من 46 لوحاً كبيراً للرسومات اليابانية، والتي أنجزها هوكوساي العام 1849.

كان التباهي بأعماله جيداً إذ بدأ بنمط مانغا، وهو لفظ يطلقه اليابانيون على القصص المصوّرة، ويستخدم خارج اليابان للدلالة على القصص المصورة التي أنتجت في اليابان، أو القصص المصورة التي رسمت بنمط مشابه للنمط الياباني. وقد يستعمل هذا اللفظ للإشارة إلى الصناعة المتعلقة بهذا الفن، وكذلك إلى الوسائل الإعلامية التي ينتشر عبرها (دوريات، مجلات، وغيرها).

تعتبر المانغا ظاهرة اجتماعية في اليابان، تعالج كل المواضيع تقريباً (الرومانسية، المغامرات، الخيال العلمي، الكوميديا، إلخ) كما تتوجّه إلى كل شرائح المجتمع على السواء. وتعد من أنجح التجارب في مجال القصص المصوّرة على الصعيد العالمي، إذ إن عائدات المانغا الأسبوعية في اليابان، تعادل العائدات السنوية لصناعة القصص المصورة الأميركية، وذلك لكثرة الإقبال عليها.

امتدت أعمال هوكوساي إلى 15 مجلداً (آخر ثلاثة نشرت بعد وفاته)، وغطت كل موضوع يمكن تخيله: الشخصيات الحقيقية والخيالية والحيوانات والنباتات والمشاهد والمناظر الطبيعية والمناظر البحرية والتنين والشعراء والآلهة مجتمعة بطريقة تتحدى كل محاولات نسج قصة من حولها.

إذا كانت المانغا صنعت اسم هوكوساي، فإن ستة وثلاثين قطعة أصلية تصور جبل فوجي في عدة حالات مناخية، وفي مختلف الأماكن والأزمنة، من مجموع 46 رسماً أنجزت في الفترة ما بين 1826 و 1833م، ضمنت له الشهرة؛ إذ كان هوس هوكوساي بجبل فوجي جزءاً من التمسك بخلوده الفني - في التقليد البوذي والداوي؛ إذ كان يعتقد أن فوجي يحتفظ بسرية الخلود، كما تقول إحدى التفسيرات الشعبية لأسمائه: «فو شي». رأيت الجبل للمرة الأولى في العام الماضي، من نافذة القطار خارق السرعة «شينكانسن». ستدرك بسرعة كيف يهيمن القطار على المناظر الطبيعية، مثلها مثل انحناءات القطار حولها، كاشفاً عن الغابات والمدن، وراء المباني، وعلى السهول - ولماذا عاد هوكوساي إليها في كثير من الأحيان، وكأنها محور خياله الذي لا يهدأ.

يظهر فوجي في ستة وثلاثين مشهداً في عديد الأشكال المختلفة، وتمثل بعض الأعمال أحياناً المرحلة المتوسطة منها، في جانب آخر من الأعمال ثمة تفاصيل هي بمثابة خلفية للتجربة بأسرها. تم طبع الأعمال الخمسة الأولى من السلسلة بالكامل بظلال من اللون الأزرق (مزيج من النيلي التقليدي والأزرق البروسي، وهو صبغة كيميائية اخترعت مؤخراً)؛ مشيراً إلى مشاهد جبل فوجي عند الفجر، والذي ينظر إليه الآن من الشاطئ، ومن جزيرة مجاورة.

أدخل هوكوساي بشكل تدريجي اللون في سلسلة أعماله، وكذلك الورود والظلال الداكنة، سعياً منه لإظهار إضاءة العالم مثلما تزحف الشمس فوق الأفق، وتظهر مطبوعة إيغيري «مقاطعة سوروغا» على رقعة يبدو فيها طريق توكايدو السريع وجبل فوجي مرسومين بخط واحد.

يذكر أن جبل فوجي ، يعدُّ أعلى قمة في اليابان، ويبلغ ارتفاعه 3,776 متراً. يعتبره اليابانيون جبلاً مقدساً منذ القدم. وكان يُحظر على النساء الاقتراب منه (رفع الحظر أثناء فترة مييجي). أصبح الجبل اليوم مكاناً مفضلاً للسياح ولهواة التسلق من مختلف أنحاء البلاد.

كتب هوكوساي قبل وفاته: «كنت شغوفاً بالرسم منذ كان عمري خمس سنوات، وكنت مولعاً إلى درجة الهوس برسم الأشياء التي أراها. وعندما صرت في الخمسين من عمري أنجزت عدداً من التصاميم، ثم رسمت كثيراً حتى بلغت السبعين من عمري، ولكنني لم أترك في تلك الفترة أية مذكرات مهمة. وحينما بلغت الثالثة والسبعين بدأت أبحث عن حقائق تخص رسم الطيور والحيوانات والحشرات والأسماك والطبيعة الحيوية كالعشب والشجر، وتابعت - وأنا في الثمانين من عمري - التقدم في البحث عن تلك الحقائق، وحينما أبلغ التسعين من عمري سأصل إلى فهم عميق وإدراك ثاقب يتجاوز كثيراً الأشياء التي أراها في البصر، وفي عمر المئة سأمتلك الحقيقة المدهشة، وفي عمر 110 ستصبح كل نقطة أو كل خط في رسمي مالكاً حقيقة الحياة».

ضوء لابد منه

ولد كاتسوشيكا هوكوساي، في هونجو شرق إدو (طوكيو اليوم)، في 31 اكتوبر/ تشرين الأول 1760، وتوفي في 10 مايو 1849. معلّم فنان وحفَّار ياباني ينتسب إلى فن الأوكي ‌يو - إ، التي تعني العالم العائم.

شغف بالرسم منذ الخامسة من عمره، تبنّته أسرة ذات حرفة فنيّة تسمى (ناكاجيما) ولكنه لم يحصل على حق الوريث في هذه الأسرة. عمل في يفاعته بائعاً في محل بيع الكتب، وبين الأعوام 15-18 من عمره تدرّب على حفر (كليشات) على الخشب. أسهم عمله في الحفر وفي الكتب في إذكاء موهبته الفنّية وخصوصاً في مجال الطباعة. صار من طلائع تلاميذ أوكي يو-إ وعمره 18 عاماً، وكان معلمه الفنان كاتسوكاوا شونشو. نشرت أعماله في العام 1779 في الحفر بعنوان ممثل في مسرح كابوكي عندما كانت الهيمنة في تلك الفترة لمدرسة كاتسوكاوا شونشو.

أنتج أعمالاً فنية في مجال الحفر والطباعة، إضافة إلى تصميم البطاقات وصور الكتب (الرسوم التوضيحية المبدعة) للشعر والمقتطفات الأدبية والروايات التاريخية وعدد كبير من ألبومات الحفر والطباعة والرسوم اليدوية والرسوم السريعة مضاهياً بها الفنان الياباني أوتامارو المعروف بأسبقيته وبراعته في تصميم الصور والمفاتن المغرية في تقنية الحفر والطباعة. وحين انصرف هوكوساي إلى رسم المناظر الطبيعية والمشاهد التاريخية وضع شخوصه في المرتبة الثانية بين عناصر التأليف.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1244907.html