صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 5379 | الإثنين 29 مايو 2017م الموافق 09 ربيع الاول 1445هـ

نحن والآخرون

الكاتب: سليم مصطفى بودبوس - slim.boudabous@alwasatnews.com

الأمم التي تقرأ لا تموت؛ لأنّ فعل القراءة، بمختلف مستوياتها، هو بعث للحياة في النصّ مهما كان نوع هذا النصّ. ولمّا كان النصّ واحداً والقراءة متعدّدة، فإنّ فعل القراءة يغدو بالضرورة اعترافاً بالتعدد والاختلاف في تسامحٍ مع الغير من دون ذوبان فيه ولا تمجيد مفرط للذات. ذلك ما استوقفني في سهرة ثقافية بمركز عيسى الثقافي أين واصل (منتدى البحرين للكتاب) مساء الاثنين (22 مايو/ أيار 2017) المنقضية فعالياته بمطارحة متجدّدة لكتاب مهمّ؛ حيث أدار العضو المؤسس للمنتدى محمد عبدالله النويري سهرة ثقافية قدّم خلالها مستشار اللغة الفرنسيّة بوزارة التربية والتعليم محمّد الخليفي قراءة تحليليّة نقديّة لكتاب «نحن والآخرون 1989» للكاتب والمفكّر البلغاري الفرنسي تزفتان تودوروف.

ويأتي اختيار هذا الكتاب من قِبَلِ لجنة أمناء المنتدى في صميم الحركيّة الثقافيّة التي تعيشها البحرين والمنطقة العربيّة عموماً؛ إذْ تشهد البحرين منذ مطلع الألفيّة الثالثة عناية متعاظمة بالثقافة والفكر الإنسانيّ وذلك في إطار المشروع الإصلاحيّ لعاهل البلاد حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، في نشر ثقافة التنوير والفكر الحر القائم على احترام مجتمع الأفكار والاختلاف وفكرة التعدديّة الثقافيّة وذلك في مواجهة الخطابات الطائفيّة والتكفيريّة التي زرعت الكراهيّة وغيّبت مفاهيم أصيلة مثل الحِلْم، التسامح والعيش المشترك.

وقد سعى محمد الخليفي في قراءة تحليلية نقدية معمّقة إلى التعريف بالكاتب والكتاب من حيث النشأة ودوافع الكتابة، فضلاً عن تدقيق بعض المفاهيم التي تعدّ مفاتيح لفهم «تودوروف» من ذلك مفهوم الآخر بتشكّلاته المختلفة: الآخر الخارجي البعيد أي المختلف عنا جغرافياً، والآخر الداخلي القريب أي المختلف عنا على رغم اشتراكنا في الجغرافيا والثقافة، والآخر/الأنا أي الآخر الساكن في ذواتنا والذي يرغب في الاختلاف عنا.

وقد اشتغل «تودوروف» على مدوّنة موسّعة نسبيّاً لأدباء فرنسيّين رحّالة وحاول استقراء آرائهم تجاه الآخر، فتوصّل إلى اختلاف شديد بين هؤلاء الرحالة الفرنسيّين؛ فقد مثّل «مونتانيي» (ق16م) التمركز الاثنيّ بامتياز فبدا متعصّباً لفرنسا وأهلها. ولم يختلف عنه «رنان» (ق19) كثيراً إذْ كان متعصّباً لانتمائه ولغته الفرنسية ونهج مثل نهجهما كل من «توكفييل» و «ميشلاي»، واعتبر تودوروف هذه المواقف مشينة؛ لأنها ترسّخ مفهوم التعصّب الاثنيّ.

بالمقابل تناول «تودوروف» أدباء ومفكرين آخرين مثّلوا بانفتاحهم مثالاً يحتذى في التعامل مع الآخر من ذلك «مونتاسكيو» و «روسو» (ق18م) اللّذان أدانا المفكّرين المتعصّبين وحاولا ترسيخ فكرة التعادليّة والإنسانويّة. وانتهى «تودوروف» هو أيضاً إلى الدعوة إلى الاعتدال متجاوزاً الاحتكام إلى ثنائيّة الأنا والآخر في النظر إلى الأشخاص مستعيضاً عنها بثنائية الخير والشرّ.

وعلى رغم المؤاخذات النقدية التي وجّهها محمد الخليفي لتودوروف، فإنّ هذا الكتاب الذي مرّ على صدوره زهاء 3 عقود، يظلّ غاية في الأهميّة نظراً لكونه يطرح القضيّة المركزية التي تشكّل سبب الصراعات البشريّة منذ الأزل، والتي لانزال نرزح تحت نير ظلماتها؛ فالحروب القائمة اليوم والفتن المنتشرة باسم الطائفة أو الدين أو العرق أو اللون... إنما مردّها، في جزء كبير منها، إلى مدى تقبّلنا لاختلافنا وتعايشنا مع الآخر.

لقد أدان تودوروف في كتابه المذكور أعلاه الفكرَ الاثنيَّ المركزيَّ والتعصّبَ القوميّ الذي أدّى إلى الحروب الاستعمارية، ونادى إلى الاعتدال وتنسيب الأمور من أجل أن يتعايش أحدنا مع الآخر، ومن أجل ألا تكون تلك الواوُ التي تجمع (نحن والآخرون) في عنوان كتابه واوَ البليّة، واوَ التفرقة والعنصريّة، واو التمذهب والطائفيّة، واوَ التعصب للدين والعرق والجنسيّة. نعم نريدها واوَ القضيّةِ لا واو البليّة؛ قضية الإنسانية في احترامها لتعددها واختلافها، واوَ التسامح والقبول بالعيش مع الآخر في وطن واحد كبير باحتضانه للجميع.

نعم بِمِثْلِ هذه الكتب المرجعيّة، وبِمِثْلِ هذا الطرح التحليلي الموضوعيّ لمحمد الخليفي يمكن لمنتدى البحرين للكتاب أن يذهب بعيداً في تحقيق واحد من أبرز أهدافه وهو إغناء الساحة الثقافيّة في مملكة البحرين بالجوانب الفكرية والثقافيّة والمعرفيّة، في قضايا حارقة في هذه اللحظة الفارقة من تاريخ الإنسانية حيث الجميع منفتح على الجميع بفضل الطفرة الإلكترونية الحاصلة؛ لكن الكثير من هؤلاء لايزال يتوجّس خيفة من الآخر فيرفضه إلى درجة إقصائه.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/1245330.html