صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 2517 | الإثنين 27 يوليو 2009م الموافق 06 ذي الحجة 1443هـ

الصحة المدرسية... ما لها أكثر مما عليها!

الكاتب: فاضل حبيب - comments@alwasatnews.com

تمثِّل الصحة المدرسية مكونا أساسيا ومحوريا في العملية التربوية، فهي «مجموعة من المفاهيم والمبادئ والأنظمة والخدمات التي تقدم لتعزيز صحة الطلاب في السن المدرسية، وتعزيز صحة المجتمع من خلال المدارس، فهي ليست تخصصا مستقلا، وإنما هي بلورة لمجموعة من العلوم والمعارف الصحية العامة كالطب الوقائي، وعلم الوبائيات، والتوعية الصحية، والإحصاء الحيوي، وصحة البيئة، والتغذية، وصحة الفم، والأسنان والتمريض».

ولكي تتضح الصورة أكثر فإنه لابد من النظر إلى الصحة المدرسية باعتبارها واحدة من حقوق الإنسان الأساسية والمهمة التي أكدت عليها الاتفاقيات الدولية والدستور البحريني، إذ إن حصرها في برامج وأنشطة وفعاليات تقوم بها لجنة متخصصة تضم كلا من وزارتي الصحة والتربية والتعليم يُعدُّ خنقا لها، فتنمية الوعي بالصحة المدرسية مسئولية مجتمعية بامتياز، وخصوصا نحن نتحدث عن تطبيق الرؤية الاقتصادية 2030 ودور القطاع الخاص والأسرة ومؤسسات المجتمع المدني في تعزيز الصحة المدرسية، والتي تشمل الخدمات الصحية المقدمة لذوي الاحتياجات الخاصة، والأنماط الغذائية والتربية البدنية، والاحتياجات النفسية للمراهقين والناشئة، والوقاية من التدخين والمخدرات والعنف والحوادث، ودور المناهج الدراسية وبرامج التربية الصحية والبيئية في تعزيز الصحة المدرسية، كما ويشمل دور وسائل الإعلام في التأثير على طلبة المدارس.

ما من شك بأن الأطفال في المدرسة ينفتحون على العديد من السلوكيات المتعلقة بالحياة بوجه عام، وبالصحة بوجه خاص، كما وأنهم بحاجة إلى جو تربوي يساعدهم على تنمية الاتجاهات والسلوكيات السليمة، كما وتوفر المدرسة لهم جوا مناسبا لتعديل السلوكيات الخاطئة.

إن الصحة الجيدة في المدارس ـ كما ترى رئيسة خدمات الصحة المدرسية بوزارة الصحة مريم الهاجري ـ هي استثمار للمستقبل، وأن برامج الصحة المدرسية أداة فعالة تخاطب شريحتين حساستين من مجتمعنا وهما الأطفال من سن 5 إلى 10 سنوات كشريحة أولى، والمراهقين من سن 10 إلى 18 كشريحة أخرى، ومراحل التطور في هاتين الشريحتين تستوجب إرساء مفاهيم وسلوكيات تؤثر في مستقبل صحتهم.

ولكي يكون برنامج الصحة المدرسية فعالا وذا جدوى، فإن هناك أهدافا رئيسة تحدد مؤشر نجاحه أو فشله، منها: أن يتعرف العاملون في المجالين الصحي والتربوي على أساسيات وأولويات المشكلات الصحية في المرحلة المدرسية ليتم تزويدهم بمهارات التوعية الصحية بالمدرسة، كما ويتوقع أن يزوِّد هذا البرنامج القائمين عليه ببعض المهارات اللازمة كالتخطيط والتنفيذ والتقويم، في الوقت الذي يعاون البرنامج الطلبة والتربويين والعاملين الصحيين في مراقبة وتحسين البيئة الصحية المدرسية، وتقديم الخدمات الصحية التي تقوِّم وتحفظ وتعزز صحة الطلاب والمجتمع المدرسي.

إن المتتبع لبرنامج الصحة المدرسية في مملكة البحرين يلاحظ تطورا نوعيا في توفير الخدمات الوقائية مثل: مكافحة العدوى وإجراء التطعيمات بصورة منتظمة، ونجاح البرنامج في منع المشروبات الغازية في جميع مدارس المملكة لما لها من تأثيرات سلبية على صحة الأطفال، وخصوصا «مرض هشاشة العظام»، ومحاولة إيجاد بدائل صحية لها كالعصائر أو المياه المعدنية، في الوقت الذي يجب التأكيد فيه على أهمية الكشف المبكر عن الأمراض وخصوصا الوراثية منها، وعلى رأسها السكلر ونقص الخميرة كأكبر مرضين وراثيين يعاني منهما قطاع كبير من أبنائنا الطلبة، فالخدمات المقدَّمة في الصحة المدرسية من التعامل مع المشكلات الجسدية إلى المشكلات السلوكية والسعي للحد من اكتساب الطلبة لبعض السلوكيات الصحية السلبية كالإدمان على المخدرات، والممارسات الجنسية غير الموجهة، كما وأن تحولا كبيرا حدث في ثقافة المجتمع نحو خدمات الصحة المدرسية من كونها وظيفة خاصة بالأطباء والممرضين، ليشترك في مهامها جميع أفراد الأسرة التربوية، وخصوصا المعلم، إذ تحولت الصحة المدرسية من كونها مسئولية لجنة مشتركة أو إدارة معينة إلى عمل تكاملي تنسيقي تتضافر فيه الجهود بين كل الجهات المعنية لتكون مسئولية مجتمعية.

لم يعد مقبولا النظر إلى المدرسة كمؤسسة تقوم بنقل المعرفة أو كبنك للمعلومات، فالمعلومات أصبحت سهلة التناول والتداول، بل لابد للمدرسة أن تقوم بدور التربية وإكساب السلوكيات الصحية، والمهارات الوظيفية لولوج حياة عصرية أكثر اتزانا ومسئولية، كما أن على الطلبة وأولياء أمورهم مسئولية مهمة للغاية وتتلخص في التعاطي الإيجابي مع برنامج الصحة المدرسية، وهذا يقودنا إلى الحديث عن ضرورة انضمام أولياء أمور الطلبة إلى مجالس الآباء، والمشاركة بالأفكار والرؤى والبرامج التي من شأنها تعزيز روح التواصل بين المؤسسة التعليمية والأسرة، وفي المقابل نتطلع لتفعيل دور لجان تعزيز الصحة التابعة للمراكز الصحية في وزارة الصحة، باعتبار أن لها دورا مكمِّلا هي الآخر في تنمية الوعي الصحي في مدارسنا.

لدينا طموحات كبيرة لتطوير برنامج الصحة المدرسية، ولكنها لن تتحقق دون أن يقوم القطاع الخاص بدوره كشريك أساسي في النهوض بالعملية التعليمية، لأن الاستثمار في التعليم يعدُّ استثمارا في البشر وليس في الحجر!

في دراسة علمية على المدارس الابتدائية في الدانمارك ـ وهي من الدول المتقدمة في التعليم ـ لوحظ وجود طبيب أو فني أسنان في جميع المدارس الابتدائية هناك، علما بأن برنامج خدمات صحة الفم والأسنان لديهم قائم أساسا على «الوقاية من التسوُّس»، فمنذ الصغر يتعلم الأطفال في المدارس كيفية الوقاية من كل أشكال التسوس. كما أن تخصصات جراحة الفم والأسنان من التخصصات النادرة في الدانمارك نظرا لقلة المصابين بها، إذ من يريد أن يتخصص في الجراحة فعليه أن يسافر إلى دول مثل إنجلترا!

يقول أبوقراط ضمن قَسَمِهِ المشهور عند الأطباء، وهو يحدثنا عن المسئولية الكبيرة الملقاة على عاتق الطبيب: «أقسمُ على الوفاء بهذا اليمين حسب قدرتي وحكمي على الأشياء تبليغ ونشر المعارف الخاصة بهذه المهنة بإسداء المشورة وإلقاء المحاضرات وكل طريقة أخرى للتعليم».


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/174554.html