صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 220 | الأحد 13 أبريل 2003م الموافق 18 ربيع الاول 1443هـ

جدل النحن والآخر... قراءة في المضمرات التاريخية

لا ينـبغي للمتتبع للحوادث الحاضرة أن ينظر إليها ويقرأها بمعزل عن الماضي المؤسس لتكوين الحضارات. ذلك لأن النظر إلى الحدث بعين آنية منقطعة عن تلك الامتدادات، سيجعل القراءة ترفل في زاوية ضيقة، قد تضيق في تحليلها وتفسيرها وحتى وصفها للمجريات. ومن ذلك يتخذ عبدالجبار الرفاعي نظرة تاريخية يعرف فيها موقع الـ «نـحن» كآخر للغرب، والغرب يمثل الآخر لنا، مثبتا تأكيداته على قراءة التاريخ لمعرفة الحاضر، فلكل فرع جذر، والحواضر جذروها الماضي ليصبح المستقبل منبتا من جذر الحاضر. يضم كتاب «نحن والغرب/جدل الصراع والتعايش» أربعة فصول، هي: الغرب والآخر، إرادة الهيمنة والصراع، الاستشراق في الأدبيات العربية، الاستشراق والمركزية الغربية، وأما الرابع فهو الإسلام في الوعي الغربي.

يتحدث الكتاب عن الهيمنات الحديثة الأولى. فأوروبا الحديثة لم تنهض وتصل إلى هذا المستوى الراقي إلا عبر عوامل داخلية وأخرى خارجية، بريئة منها وغير بريئة. ويبحث المؤلف في كتابه أربعة عوامل مهمة أسهمت بشكل كبير في تشكيل أوروبا الحديثة، وهي: الحروب الصليبية 1291م - 1905م، وسقوط الأندلس 1492م، والاكتشافات الجغرافية المهمة والاستراتيجية كاكتشاف رأس الرجاء الصالح 1488م، واكتشاف أميركا 1492م، والعامل الرابع هو تجارة الرقيق.

ويمثل الكتاب لفتة لها أهميتها لجهة الوعي السياسي/التاريخي وقراءة الواقع المعاش. فحينما نقرأ الغزو الأميركي الحالي الذي يهتك كل الأبعاد المتحضرة في وعي البشرية والمواثيق الدولية (المغتصبة)، ستكون القراءة لكل الهتك قراءة صحيحة. وإذا رجعت إلى الماضي الذي يترجم بالضرورة بعض تصرفات الحاضر، إن لم يكن معظمها، سنجد أنه في سنة 1095م إذ قاد البابا إربــان الثاني حربه الصليبية، وكان يبرر تلك الحرب بتبريرات لا تقنع أحدا (كحرب أميركا الحالية) فمن مقولات إربان لتثوير وتجيير الصليبيين: (فليثر همتكم ضريح المسيح المقدس ربنا ومنقذنا، الضريح الذي تمتلكه الآن «أمم نجسة») ويقول أيضا: (المسلمون جنس لعين، وأمم نجسة، وجنس خبيث). وما نستطيع هنا مقاربته في حرب اليوم وحرب إربان ليس العنصر الآيديولوجي الذي قد تكون مقاربته غائمة (على رغم إعلان بوش الحرب الصليبية في بدء قصفه لأفغانستان)، لكن ثمة عنصر يتجلى بشكل واضح وهو «تفاهة» و«قشرية» المبررات للجوء إلى القوة والنفوذ والعتاد على حساب الأخلاق الإنسانية المنسية.

فعلى رغم الشعارات التي ترفع بين الحين والاخر بدعوى «تحرير العراق» واللافتات الإعلامية مليئة ببلاهة التسويف الذي تم رفضه ومازال بقوة، على رغم ذلك تكشر الإدارة الأميركية عن أنيابها البشعة بكشف بعض السيناريوهات والخطوات لـ (ما بعد الحرب) مثل الحكومة العسكرية، اتفاق الهدنة مع «إسرائيل»، فتح أنابيب النفط المغلقة معها، استرجاع خسائر الحرب من عائدات النفط، كل تلك وغيرها فضحت الشعارات، وبات السؤال في حرب اليوم والأمس جليا في أذهان البسطاء فضلا عن المتعمقين في التاريخ والسياسة. فالقواسم المشتركة بين الإدارة الأميركية الحالية «بوش وصقوره» وإربان تتجلى في عدة اتجاهات، إذ يتبين بجلاء أن المواقف والتبريرات التي تعتمد منطق القوة وتغليبه على قوة المنطق قاسم مشترك بين الحروب الصليبية التي بدأها إربان والإدارة الأميركية الحالية (مع فارق مراوغة الأخيرة ورفعها الشعارات البيضاء التي ما لبثت إلا مفضوحة)، كما أننا نستطيع مقاربة موقف الدول العربية والإسلامية من هذه الحرب المعلنة والمفتوحة على أكثر من صعيد حينما نستذكر أن الحروب الصليبية كان فيها العالم الإسلامي منقسما على نفسه بين ثلاث دول، الأولى: هي الخلافة العباسية التي كانت تحت هيمنة الأتراك السلاجقة وقتئذ، والثانية هي الدولة الفاطمية في مصر، والثالثة هي الدولة الموحدية في الشمال الإفريقي ومجموعة إمارات مشتتة في الأندلس.

إذ كانت المخاصمات السياسية تسود بين الكثير من تلك الدول، وهو ما يحيلنا إلى وضعنا الحالي فلا حاجة للعمق في التدقيق في المقارنة لكي نرى القواسم، إذ التشتت والتخاصمات السياسية والهيمنة المفروضة علينا كلها جلية... إذن نحن بحاجة إلى دراسة ما وراء ذلك أيضا، فالغرب حينما يقرأنا فإنه يستعير منظورات الاستشراق في هذا الشأن. وعندما ننتقده بدورنا لابد من قراءة الاستشراق قراءة دقيقة تتيح لنا كشف تفاصيل القراءة للشرق، لأن الكثيرين يرجعون الغزو الصليبي وامتداده التاريخي ليومنا هذا إلى أعمال المستشرقين، كما فعل جمال الدين الأفغاني سنة 1883م في نقده لمحاضرة ألقاها المستشرق أرنست رينان تضمنت توصيفا غير واقعي للمحيط والدين، كما انتهج تلميذه محمد عبده المنهج نفسه في نقد الاستشراق ومناقشة أفكار رينان بالخصوص، وواصل محمد رشيد رضا هذا النقد في تعامل المستشرقين مع السيرة النبوية، ثم أتى من بعده محمد كرد... كل ذلك ينبئ بوضوح عن الثغرات الجمة التي تعاني منها النظرة الاستشراقية، ونقلها إلى تلك النظرة (بعلاتها) للغرب لتوثيقها، وعلى رغم عدم نكران وجود بعض من الموضوعية في بعض من مناحي هذه النظرة إلا أن الصورة الموحية لهيئة المشرق قد تشكلت من خليط من بعض الموضوعية و كثير من الوهن، هذا ما دعا إلى التأمل في نقل الصورة ونقد ذلك النقل المشوه. وربما كان ذلك نتيجة لإيعاز تاريخي من الكنيسة الغربية كما خلص محمد البهي في دراسته التي ذاع صيتها والمدونة في كتابه (الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي) (1957م).

يقول الرفاعي: «إن نقد الاستشراق هو محاولة لتحرير ثقافتنا من سيطرة أحكام الغرب ومفاهيمه ومناهجه، وهو ضرورة معرفية، بهدف رد الاستشراق إلى محيطه وظروفه التاريخية التي نشأ فيها، وإثبات أنه محدود بحدود الغرب وأهدافه وتاريخه وصراعه مع الشعوب». وما ينكشف هنا أننا أمام مضمرات تاريخية تحتاج إلى دقة في وزن الصورة بين الماضي والحاضر، ويبقى التاريخ البشري يرسم ثلاثة مسارات:

الأولى: إن بعض الحوادث والظروف والمعتركات الماضية لهي مطابقة للحاضر.

الثانية: إن بعض الحوادث والظروف الماضية تتقاطع في/ مع حواضرنا في بعض مشاهدها، ولذلك نحتاج إلى دراسة القواسم المشتركة ورسم صورة عن تلك القواسم بوضوح للاستفادة منها.

الثالثة: ثمة بعض الظروف لا تتشابه مع الحاضر بالمطلق، ومع ذلك تحتاج تلك الظروف إلى دراسة العبر ذات الطابع الرمزي، والذي يتقاطع مع الحاضر في كونه «طبيعة بشرية».

أخيرا، فمن عصر الظلمات الذي عانى الغرب منه نشأت ثورة التطور (التنوير، الثورة الصناعية، الحداثة الغربية...) على أنقاض ذلك التخلف المظلم، حضارة لها وزنها، كما تجلت عقدة التفوق، وبدأ الاستعمار يصنع زواياه هنا وهناك، وعلى رغم التحرر الظاهر للأوطان مازالت تلك العقدة تمارس نهمها في الهينمة وما الولايات المتحدة عن تلك المقاربة ببعيدة


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/202149.html