صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 228 | الإثنين 21 أبريل 2003م الموافق 04 ربيع الاول 1444هـ

بين رسالة الغفران والكوميديا الإلهية

من نقل عن الآخر فكرة الرحلة إلى العالم الآخر في قالب شعري، ابو العلاء المعري العربي او دانتي الايطالي؟ رحلة أبي العلاء إلى العالم الآخر تجسدت في اهم اعمال رهين المحبسين «رسالة الغفران». ولكن ما هي «رسالة الغفران»؟... «رسالة الغفران» ملحمة شعرية في شكل رحلة تاريخية كتبها أبوالعلاء المعري (449هـ - 1057م) ردا على رسالة وجهها إليه منصور الحلبي المعروف بابن القارح، يسأله فيها بين جملة من الامور عن التاريخ والفقه والتصوف والادب والنحو والسيرة النبوية والزندقة.

وكانت الرسالة بمثابة رد قاطع من المعري على منتقديه من الادباء الذين اتهموه بالزندقة والالحاد والكفر واتباع ملة البراهما الهندوسية التي تقدس الروح ولا تأكل لحوم الحيوانات.

كان رد ابي العلاء علي ابن القارح من شقين: الشق الأول هو الخيالي، ويتصور فيه المعري ابن القارح في رحلة إلى العالم الآخر على غرار ادب الاسراء والمعراج، ولكنها رسالة مرفوعة إلى القدر القدير يستغفر فيه عما تقدم من ذنبه وتأخر، يطلب فيها الغفران لنفسه ولابن القارح من الله سبحانه وتعالى ولغيره من الشعراء ليغفر لهم زلاتهم وخطاياهم. أما الثاني فينطوي على رد ابي العلاء المعري على المسائل التي تؤرق ابن القارح، وهي قضايا فكرية وعلمية وتاريخية ودينية، يبدي فيها المعري رأيه وشعره وعلمه.

وعلى رغم ان ابا العلاء يطلعنا مباشرة على موقفه من القضايا المطروحة والمعاصرة له في المعارف والفن والعلوم في شق «رسالة الغفران» الثاني، إلا ان الشق الأول، وهو الرحلة الخيالية - الذي كتب له فيها الخلود كما يعتقد - في هذا الشق ايضا يرد ابوالعلاء على اسئلة ابن القارح والقضايا التي أثارها ردا غير مباشر مازجا الجد بالسخرية، لابداء رأيه وبعض شكوكه في اهم قضايا عصره. رحلة ابن القارح يتخيلها المعري في ثلاثة عوالم: أ- عالم الصعود ب- عالم الزيارة إلى الجحيم ج- عالم الجنة. وقد استفاد المعري من ادب الاسراء والمعراج ومصادره الأولى في القرآن والتفسير والحديث الشريف في اطار الرحلة ومضمونها وتفاصيلها. وخلال هذه العوالم الثلاثة يلتقي ابن القارح شخصيات متعددة تمثل الشعراء والادباء والنقاد والمفكرين، فيحاورهم مثيرا معهم طائفة من القضايا الفكرية والادبية والنقدية والدينية.

ويستشفي المعري من الادب واللغة والشعر والنشر والاجتماع والاخلاق والدين، المادة التي يملأ بها اطار رسالته. فقد صعد ابن القارح في خيال المعري إلى السماء وزار جنة العفاريت وانتقل إلى الجحيم وعذابه ثم عاد إلى الفردوس ومقام الخلد.

و«رسالة الغفران» بما فيها من قصص وحبكة وحوار ورسم شخصيات أشبه برواية او مسرحية يتحدث فيها ابن القارح إلى الشعراء والكتاب ويحاورهم في مسائل علومهم وقضاياهم ومعارفهم، ويتخيل ابوالعلاء خيالات عن آدم وابليس والعفاريت والملائكة.

«الكوميديا الالهية» أيضا رحلة إلى العالم الآخر في صورة ملحمة شعرية طويلة مشابهة لـ «رسالة الغفران» للمعري، كتب الشاعر الايطالي دانتي اليجيري «الكوميديا الالهية» وعرفت في الادب العالم بهذا الاسم. بدأ دانتي بتأليفها في العام 1308م وانتهى منها العام 1321م. موضوع الكوميديا الرئيس هو الحياة بعد الموت، ودانتي على عكس ابن القارح فهو الشخصية الرئيسة فيها. وتنقسم الكوميديا الالهية إلى ثلاثة اقسام 1- الجحيم 2- المطهر 3- الجنة. اطلق دانتي عليها «الكوميديا» لأنها انتهت نهاية سعيدة. ثم اضافت إليها الاجيال اللاحقة صفة الالهية. وقد قسم دانتي الاقسام الثلاثة للقصيدة إلى اجزاء اخرى تسمى الاجزاء الداخلية. ويضم قسما المطهر والجنة 33 جزءا. اما الجحيم فيضم 34 جزءا. وتتميز جميع الاجزاء بالايقاع القوي نظرا لمقاطعها المشابهة للموشحات الاندلسية ذات الابيات الثلاثة.

وفي هذا الشكل الشعري الذي اخترعه دانتي، نجد ان البيتين الأول والثالث من كل مقطوعة على وزن البيت الأوسط من المقطوعة السابقة. وتبدأ القصة بدانتي المفقود في غابة مظلمة، ويمثل ذلك عنده احساسه بتفاهة حياته، والشر الذي كان يراه في مجتمعه. وفي يوم جمعة صحو، وبعد ليلة من التجول المؤلم، يتفاعل دانتي مع الشاعر الروماني فيرجيل الذي يعده بأن يخرجه من تلك الغابة ويقوده إلى رحلة إلى العالم الآخر.

ويدخلان الجحيم وهو حفرة فظيعة على هيئة مخروط عميق في باطن الارض، وفي الحفرة تسع دوائر، حيث يريان جموعا من الافراد يعانون العذاب الذي تصبه فوق رؤوسهم الوحوش الخرافية والشياطين والمخلوقات الاخرى، وذلك عقابا على خطاياهم. والملعونون المعذبون هؤلاء شخصيات تاريخية معروفة جيدا بعضها من عصر سابق لدانتي غير ان معظمهم من عصر دانتي نفسه. ويغادر كل من دانتي وفيرجل الجحيم، ويصلان إلى جبل المطهر ومن هناك يتسلقان إلى شرفات مضيئة فيها الموتى الذين وهبوا الخلاص يبحثون عن الغفران من الخطايا التي اقترفوها على الارض. ويملأ جو من الامان والامل ذلك المكان الخاص بالتطهر على عكس المعاناة الكبيرة واليأس اللذين مرا بهما في الجحيم. وعند وصولهما إلى الجنة الارضية على قمة جبل المطهر، يوصي فيرجل دانتي باتباع مرشدة جديدة هي بياتريس.

وتعد هذه الملحمة من نواح عدة قصيدة حب تمتدح جمال بياتريس الاخلاقي، وقدرتها على الوصول بدانتي إلى رؤية الخير الاعظم، انها تقوده خلال طبقات السموات العشر، حيث يلتقي بأرواح المباركين ويقف دانتي أمام الخير الاعظم، اذ انها تقوده خلال طبقات السموات العشر، حيث يلتقي في النهاية بارواح المباركين. ويقف دانتي في بهجة ونشوة، ويتفهم في النهاية الحقيقة النهائية للحياة وما يعنيه الكون.

فطاحل ومؤرخو الادب الاوروبي - الادب ونقاده - يقرون بما لا يدع مجالا للشك، ان دانتي تأثر في هذا العمل بـ «رسالة الغفران» لابي العلاء المعري الذي سبقه بـ 264 سنة، واخذ الفكرة والمنهج. الشاعران تخيلا الشعراء في العالم الآخر وهم يستغفرون ربهم من ذنوبهم العظيمة. كما قام الشاعران باخراج مسرحية الواقع التاريخي للشخصيات المهمة في مجتمعهم وثقافتهم في اطار متخيل متقن ومدهش، تماما كما ظهرت «رسالة الغفران» في العهد الاسلامي لفترة طويلة حين ظهرت الافكار المنقولة والمماثلة كـ «الكوميديا الالهية» لدانتي و«الفردوس المفقود» لملتون. الدليل الاقوى على نسخ دانتي لفكرة «رسالة الغفران» ظهر في القرن العشرين على يد مستشرق اسباني معاصر، عندما عثر على مخطوطين لترجمتين لقصة «الاسراء والمعراج»، خلص منها إلى نظرية تثبت ان دانتي قد بنى كوميدياه على افكار واصول اسلامية، من بينها «رسالة الغفران» وقصة «الاسراء والمعراج».

تركت كل من «رسالة الغفران» و«الكوميديا الالهية» على رغم صعوبة صياغتهما اللغوية وعدم سلاستهما في السرد، واسلوبهما المسجوع، بصماتهما، على ادب الرحلات إلى العالم الاخر، ومفهوم الفرد للجنة والنار والحياة الآخرى. الادب العربي الحديث لازال عاجزا عن تفسير وشرح «رسالة الغفران» للمعري او التمكن من تسهيل فهم اللغة التي كتبت الرسالة، وهذا دليل آخر على عبقرية المعري الذي ثقف نفسه بنفسه ولم يعترف بدور أبيه قط في تنشئته، علما بأنه كان يردد: هذا ما جناه أبي عليّ وما جنيت على أحد!! أثر «رسالة الغفران» بدا واضحا على اعمال شعراء عرب، فقد تأثرت بها قصيدة الزهاوي القصصية المطولة بعنوان «ثورة الجحيم»، ومطولة «شاطئ الاعراف» لمحمد عبدالمعطي الهمشري، و«بين النهايتين» لمحمد سعيد السحراوي... والاخيران من شعراء الجيل الثاني لحركة ابولو.

شعور الاديبين، المعري ودانتي، بالذنب بالشك في الدين والديانة، ربما يكون سببا لانجاز عمل ادبي عظيم يستغفران فيهما رب الكون من الذنوب. المعري ذهب إلى ابعد من ذلك باختياره آل بيت النبي محمد عليه افضل الصلاة والسلام، سندا للاستغفار عندما طلب العفو والمغفرة من فاطمة الزهراء (ع) والاخذ بنصح الامام علي (ع). الامر نفسه ينطبق على دانتي الذي التقى في الجنة اصحاب السيد المسيح (ع)، وشاهد من عذبوه في الجحيم. ربما العبرة الكبرى من قراءة النصين تكمن في ان الايمان بالله والجنة والنار مدعاة إلى طلب البشر من المولى تعالى المغفرة وتكفير الذنوب


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/205053.html