صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 242 | الإثنين 05 مايو 2003م الموافق 07 محرم 1446هـ

بمناسبة أربعينية الشيخ المدني

إعادة القراءة بعد الرحيل

الكاتب: محمد ابراهيم المقابي - comments@alwasatnews.com

الشيخ سليمان المدني له من الأثر ما يعجز القاصر عن حصره ويقصر القلم عن نشره، فبرحيله «انثلم في الدين ثلمة لا يسدها شيء»، وها هي البحرين تجدد العهد في يوم اربعينيته باحتفالية علمائية تعكس عمق هذه الشخصية ومكانتها العلمية عند أهل العلم والفضل.

المدني يمثل أطروحة اسلامية ترتكز في اهدافها ومواقفها على الاساس الشرعي منطلقا له قدسيته في اشد الظروف قسوة، وهو يعني الكثير في المعادلة الدينية والسياسية بكل ابعادها، ليس في مملكة البحرين فحسب بل يمتد إلى كثير من البلدان في المنطقة. وله من الثقل ما لا يمكن تجاهله حتى ممن يختلفون معه فكرا وايديولوجية، ويعجز عن ان يقيسه قاصر مثلي - فالفضل لا يعرفه إلا ذووه - لما يمثله من عمق وفكر ونهج في الحياة العامة والخاصة، وان فراقه لا يشعر به إلا من لامس الحقيقة، فالعالم لا يعرفه إلا العالم، والمرء عدو ما جهل - ولو بسط له الرداء، لأثرى الساحة بعطاء لا حدود له ولكنا في شأن كبير.

المدني لو اردنا ان نبرز (نجسد) سؤالا معينا ومعنويا نبحث في عمقه عن حقيقة شخصيته لنعطي انفسنا - على الاقل - فسحة التأمل في معرفة خبايا الجواب - ونسلط الضوء على الحقيقة التي حجبتها عنا المحنة، فإنه لابد ان نفتش في الواقع عن صيغة دقيقة تحوي ابعاده الايديولوجية والمنهجية، تتماشى وحجم شخصيته المتغلغلة في عقول الكثير. فهل بامكاننا ان نؤلف هذا السؤال - بمنهجيته الواضحة، لنقترب من فكره واطروحاته بشيء من الواقعية وبعيدا عن التشنج ولو بعد ان فقدناه؟ ثم هل نستطيع ان نفهم فقهه الديني والحياتي في هذه المرحلة الانفتاحية، وكشف فلسفته في معرفة الواقع وقراءة المستقبل.

انني اتصور ان هذا السؤال قد تهنا في البحث عنه وتحديده بين متناقضات الحوادث في حياته، الكثير منا للعلة ذاتها (حال اللاوعي والشرود) حتى بعد رحيله، التي بقيت متمكنة وخصوصا في فترة المد والحصار السياسي والاجتماعي الذي فرض عليه وهذه الحال الجفائية التي رسمها البعض تجاهالشيخ المدني في تلك المرحلة ولّدت شعورا منفلتا منع الاقتراب من شخصيته ودراسة فكره الاسلامي الصريح، ما سبب خلطا عشوائيا في فهم وتحديد ماهية شخصيته (رحمه الله) وابعادها الاسلامية الصرفة، فعجز الكثير عن تشخيص الحوادث بصورة منطقية وموضوعية بسبب «الضبابية» التي حجبت الرؤيا عن العقول، وبالتالي بقاء حال (التعسر) قائمة بفعل التراكمات.

والمستقبل القريب جدير بأن يكشف لنا ما اراد بيانه (سماحته) في تلك المرحلة وحذر منه، وانه سينكشف لنا اليوم وليس غدا ما ألمح إليه وتنبأ به على مدار السنوات الماضية، وسيصل من يقصدهم ومن حذر من فكرهم واهدافهم إلى ابعد مما نتصوره، وهاهو زحفهم قادم يحمل الرايات الحمراء، ونحن ان لم نبصر الحقيقة، وان لم ننظر بعقولنا إلى الواقع ونقرأه من خلاله الوقائع والحوادث كما بين سماحته، سنجدهم وصلوا إلى مرحلة الهيمنة على عقول (الناشئة) وانتزعوا منا ابناءنا من دون ان نستطيع فعل شيء - وبما تقتضيه الحرية والقانون الذي يعملون تحت غطائه - فهم الآن يتسللون وفق البرنامج المعد من خلال طرح عناوينهم وشعاراتهم (للمستقبل) امام الطلاب في المدارس، وسيسجلون نجاحاتهم بكل ثبات، فهل لايزال الاسلاميون في غفلة عما يدور حولنا؟ وهذه رسالة لكل غيور على مجتمعنا المسلم، إلى كل خطيب، إلى كل استاذ، إلى كل مسلم في هذا البلد فاذكروا أقوال (المدني) ان كنتم لا تعلمون.

العلامة المدني وعلى رغم كل المحن والويلات كان له من الفكر الوحدوي والدعوة إليه ما يترسخ في الذاكرة نهجا ومفهوما بما نستلهم منه العبرة والعظة، إذ كان دائما يردد رسالة «المودة» بين الاسلاميين على اساس الدين والشرع المحمدي مخاطبا العقول ومحاكيا النفوس لمسح ويلات المحنة وصور الويلات، وامتصاص الصدمات التي ارهقت العقول واحرقت العواطف، لنقف امام مسألة إعادة الاعتبار لكياننا بوصفنا أمة توهتها نزعات التيارات، وسرقت من اعينها نظرات التفاؤل والامل، وذلك لبناء عقل اسلامي يستوعب المفهوم الاصيل، ويرسم الفكر الوحدوي النير للارتقاء إلى بناء مجتمع متوحد قائم وفق (أطروحة اسلامية) قاعدتها «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا» (آل عمران - 103) ليكون المجتمع اكثر تأملا وتكاملا واستشراقا للمستقبل ورسم طريق السعادة والالفة، والوصول استدراكا إلى منهج (السماحة والوحدة) ودحر ثقافة الاستهداف والتمزق، رافضا بذلك مبدأ التحزب والاحزاب.

ولترجمة هذا الفكر إلى حقيقة ايمانية دأب (رحمه الله) على ازالة كل ما هو عائق من اجل الوصول إلى لمِّ الشمل، وجبر الكسر الذي اصاب الامة فعقد العزم على لقاء «المحبة» مع شقيقه الشيخ عبدالامير الجمري (شفاه الله) ليثبت ان ما يجمعه مع الجمري اكبر من كل الحوادث التي عصفت، وفوق كل الشائعات التي مزقت، إذ كانت فلسفته قائمة على تأصيل الاسلام، ولمِّ الشمل وتذويب كل جبال الجليد التي تجمدت اثناء النفرة (مرحلة سوء الفهم وخلط الاوراق). وكانت نزعة متأصلة في نفسه وقلبه ولطالما حلم بـ (لمّ شمل) في مرحلة (الفسحة والتأمل) حتى بادر بكل إخلاص إلى الالتقاء مع رفيق دربه (لقاء العلماء والرموز) الذين يعيشون همَّ الأمة، وجرى ذلك استدراكا منهما لكل الحوادث التي انطوت عليها الايام والسنون الماضية، ولكن للأسف الشديد لا المحيطون بـ المدني (رحمه الله) ولا الملتفون بـالجمري (شفاه الله) فهموا الرسالة وبالتالي ترجمتها عمليا على الساحة واقعا تفرضه علينا رسالة السماء. على رغم ان هذه الرسالة كانت موجهة بكل وضوح.

ويبقى السؤال الاخير ملحا: ماذا بعد رحيلالشيخ المدني؟

لا نقول في هذا المقام الا ان البحرين خسرت عالما عيلما لا يسد فراغه لسنوات، ولكن عزاءنا انه ترك لنا مواقف سيذكرها التاريخ وستكون مثالا للصلابة والثبات، وخلف آثارا علمية ومجموعة من القيم والمبادئ ستبقى ذخرا للمجتمع من خلال تشييده مدرسة فكرية تمثل منهجا اسلاميا لا تحيد عن فكر اهل البيت (عليهم السلام) يتبنى فكرها وخطها ثلة لا يستهان بها من مؤتلفيه ومنتهجي خطه ووجودهم على الساحة دليل على بقاء الشيخ المدني رمزا وقائدا لايزال مد فكره وعطائه مستمرا، فهم الآن يبحثون عن موقع وبث خطاب يكون امتدادا لنهجه ومدرسته يعطيهم دورا محوريا ومؤثرا في الحركة المجتمعية ليبقى الشيخ المدني حيا يعيش بين المجتمع فكرا، فهل ينجحون في الوصول إلى ذلك؟


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/206697.html