صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 2530 | الأحد 09 أغسطس 2009م الموافق 13 ذي القعدة 1445هـ

عُمان وإيران بعد زيارة جلالة السلطان

الكاتب: محمد عبدالله محمد - Mohd.Abdulla@alwasatnews.com

أَتَمَّ جلالة السلطان قابوس بن سعيد سلطان عُمان زيارة تاريخية لإيران. تمامها كان في أيّامها الثلاثة ومُفضياتها السياسية وحتى المعنوية. بدأ السلطان زيارته صباح الثلثاء المنصرف مُنطلقا من محافظة هرمزكان (جنوب) ثم إلى طهران وختمها عصر الخميس.

خلال الزيارة وقّع الجانب العُماني في طهران سبع اتفاقيات للتعاون في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية. كما طلب العُمانيون من الإيرانيين تزويدهم بملياري قدم مكعب من الغاز من حقل كيش الذي يحتوي على ثمانية وأربعين تريليون قدم مكعب من الغاز النقي، أو من حقل بارس الجنوبي.

وحسب إفادة المدير التنفيذي للشركة الوطنية الإيرانية لصادرات الغاز رضا كسائي زاده فإن «أحد محاور المحادثات بين مسئولي البلدين بطهران تناولت مشروع تطوير حقل كيش الغازي من قبل الجانب العماني». وهي رغبة إيرانية جامحة للاستفادة من التكنولوجيا العُمانية في هذا المجال.

جيرة العُمانيين بإيران دوّنها تاريخ سحيق. بعض ذلك التاريخ خامل وبعضه حيوي يتّصل بشخوص قيادة الزمان ومديات المكان. فمالك بن فهم الدوسي الأزدي طَرَدَ الفرس من الأراضي العُمانية بعد انهيار سدّ مأرب.

والمُلهب بن أبي صفرة وسّع من أراضي الدولة الإسلامية حين فتح مناطق في إيران كخوارزم وجرجان وطبرستان، فتماثلت إيران وعُمان في دين واحد ونظام سياسي واحد، الأمر الذي دفع بعلاقة الضفّتين تترسّخ أكثر.

في أتُون اللعبة الدولية في القرن السابع عشر كانت عُمان حوضا جغرافيا مهمّا لجميع القوى التي كانت تقصد المنطقة. كان حينها العُمانيون بطنا غير رَخْوٍ لتلك القوى. بل أبدوا ندّيّة سياسية حتى مع حلفائهم الهولنديين وبقيّة القوى العظمى آنذاك.

في الحاضر القريب بدأت علاقة السلطان قابوس بإيران باعتراف الأخيرة بحكومة السلطان بعد وصوله إلى الحكم في العام 1970. وكانت إيران بذلك ثالث دولة في العالم تعترف بالنظام السياسي الواعد للسلطان قابوس بعد الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا.

ثم ترسّخت العلاقة أكثر عندما زار السلطان إيران في أكتوبر/ تشرين الأول من العام 1971 وشارك الشاه محمد رضا بهلوي الاحتفالات بمناسبة مرور ألفين وخمسمئة عام على قيام الملكية. طلب حينها جلالة السلطان من شاه إيران المساعدة للسيطرة على المُسلّحين في محافظة ظفار.

طيلة الفترة التي مرّت على منطقة الخليج حافظت سلطنة عُمان على علاقاتها الخارجية المتعددة ومن ضمنها العلاقة مع إيران حتى بعد انتصار الثورة الإسلامية. كان لجلالة السلطان قابوس بن سعيد دورا كبيرا في جعل مسقط محطّة انطلاق علاقات هادئة ومُستقرّة مع الجميع، وملاذا للصداقات، وهو ما سأفرد له مقالا خاصا لاحقا.

خلال الحرب العراقية الإيرانية ظلّت العلاقة بين البلدين قائمة حتى في أحلك أيّام الحرب. زار وزير الخارجية العُماني طهران في العام 1987 ووقّع أوّل مسودة تفاهم للتعاون في المجالين السياسي والاقتصادي. ثم زار وزير الخارجية الإيراني مسقط أيضا.

في الجغرافيا يتجاور البلدان حول مضيق هرمز. وإذا ما عُرِفَ أن هذا المضيق تمرّ من خلاله أربعون في المئة من احتياجات العالم من النفط فإن موضوع الجغرافيا يتحوّل إلى معادلة من الجغراقتصادية ومفاعيل حقيقية من الجيوبوليتك.

أضِف إلى ذلك فإن البلدين يكونان معنيين أكثر من غيرهما بالرغبات الروسية (الاستراتيجية) في الوصول إلى المياه الدافئة عبر كُوّة الخليج. كما أنهما تُصبحان معنيتان أيضا حين ينشب أيّ نزاع إقليمي قد تحاول فيه تل أبيب نقل جزءٍ من قوّتها العسكرية إلى منطقة بحر العرب والمحيط الهندي طمعا في استيعاب أيّ ضربة عسكرية إيرانية مُضادة.

هذا الترابط الأمني بين إيران وعُمان ولّد ترابطا أمنيا طبيعيا مع عموم الإقليم؛ باعتبار عُمان ركنا أسياسيا بداخله. ولأن نظريّة الأمن القائمة على القوة الماديّة الصّرفة قد خفتت لصالح الأمن العريض والمتعدّد القائم على التبادل التجاري والثقافي فإن العلاقات ضمن هذا الإطار تكون أكثر تبادليّة وديناميكية.

وإذا ما عرفنا أن إيران تمتلك نصف مساحة إطلالة الخليج (45 في المئة) ونصف عدد سكّان دوله (140 مليون تقريبا) فإن موضوع ثنائية المصالح وتعدّد أوجه التعاون تتحوّل إلى واقع صلب وحيوي بين الضّفتين الشرقية والغربية.

وقد نَمْذَجَت العلاقات العُمانية الإيرانية ذلك بطريقة لافتة. فقد عقدت اللجنة الاقتصادية المشاركة أولى جلساتها في مسقط في العام 1989 الأمر الذي وسّع من عملية التبادل التجاري بين البلدين.

ثم تطورت العلاقة حينما وُقّعت اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمار المتبادل في العام 2002. واتفاقية التجارة في العام 2003. وكان قبل عام من ذلك قد تضاعف حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 5.5 أضعاف عن منتصف التسعينيات.

وباتت إيران تحتل المرتبة الثانية بعد دولة الإمارات في استيراد الصادرات العُمانية. وقد شكّلت الصادرات العُمانية 90 في المئة من أصل التبادل التجاري بين البلدين في أحد المنعطفات القريبة. (راجع ورقة آسايش زارج التي ألقيت في وزارة الخارجية العُمانية).

قبل عام من الآن وقع البلدان (وخلال زيارة نائب جلالة السلطان لطهران) وثيقة للاستثمار المشترك لتطوير حقول الغاز الإيرانية بحجم سبعة مليارات دولار وبسقف أعلى يصل إلى اثني عشر مليار دولار.

وخلال الزيارة التاريخية الأخيرة لجلالة السلطان تمّ التوقيع على عقد اتفاق (مناصفة) بين الجانبين لبناء مجمع هرمز للبتروكيمياويات لإنتاج مليون طن من اليوريا و650 ألف طن من الأمونياك سنويا حسب إفادة وزير النفط الإيراني غلام حسين نوذري.

لقد تطوّرت العلاقات بين البلدين إلى الحدّ الذي انسحب على مسارات أخرى خارجة عن السياسة والاقتصاد. فقد أسّست طهران كرسيا للفقه الأباضي في جامعة الإمام الخميني الدولية. وبات المُفتي العام لسلطنة عُمان عضوا في المجمع الأعلى للتقريب بين المذاهب الإسلامية. كما أصبح هناك تعاون في مجال المكتبات والراديو والتلفزيون والصحف. (راجع نفس المصدر).

إن الزيارة التي قام بها جلالة السلطان قابوس بن سعيد إلى إيران تُشكّل منعطفا خليجيا مهما في مسيرة العلاقات الإيرانية الخليجية. وخصوصا أن رمزيّة السلطان ومكانته الإقليمية والدولية أعطت امتيازا إضافيا للزيارة، وهو بحد ذاته تحفيز لانطلاق أفق جديدة في علاقة دول الخليج بإيران.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/208068.html