صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 2260 | الأربعاء 12 نوفمبر 2008م الموافق 07 رجب 1444هـ

في حديث مع الخزّاف البحريني عبدالإله البوسطة... الفنان الذي نصّف غرفته للنوم والتصوير

في أروقة ذلك المبنى القديم، الذي بدا واضحا أن الجهات الرسمية قد أشاحت بوجهها تجنبا للنظر إليه، وتذكر مسئولياتهم تجاهه كمركز الثقافي لايزال قلبه ينبض بعطاء السواعد التي تعمل في الطين، لتخرج منه أبدع التحف الفنية الخزفية، كان لنا أن نلتقي الخزاف البحريني عبدالإله البوسطة في مقر جمعيته، جمعية الخزافين البحرينيين، وكنا معه في وقفة حول تجربته وواقع التوجه نحو الفنون التشكيلية الخزفية في البحرين.

عبدالإله البوسطة، وهو سليل عائلة الفنانين، شقيق التشكيلي البحريني الكبير عبدالكريم البوسطة والمرحوم عبدالمنعم البوسطة، تحدث لفضاءات «الوسط» مجيبا عن جملة من الأسئلة التي طرحناها بنفس لم يطب لها ما آل له حال الفن التشكيلي، وكأنما كان يخفي في تعليقاته المحببة آلاما وذكريات.

* أنت سليل عائلة فنية، فكيف كانت بداية دخولك عالم الفن؟

- أعتبر نفسي شخصا تربى على اللوحات والفن، يتغذى منذ صحوته في الصباح إلى وقت نومه على الفن والأعمال الفنية، كنا نعيش في غرفة واحدة اتخذها شقيقي عبدالكريم البوسطة مرسما، وكان لنا في أسرتنا ميزات فنية كما برز في شقيقيّ عبدالكريم وعبدالمنعم، وخصوصا عبدالكريم الذي كان له ارتباط في مجالات كثيرة من الفن، كل تلك الأشياء جذبتني ونمت لدي الحس الفني، فبدأت في الستينيات بالاشتغال في التصوير والأعمال اليدوية، إذ كان التصوير يجذبني، ولكن مع ظهور الكاميرات الملونة فقد بدأت أعزف عن هذه الهواية.

غرفتي كنت قد قسمتها بين استوديو ومكان للنوم، واستمريت في هواية التصوير لفترة طويلة، ونمت حينما انتقلت للمرحلة الأخيرة من الدراسة الثانوية، إذ كانوا يعطوننا راتبا يقدر بـ 5 دنانير، لأننا كنا ندرس في قسم المعلمين من المدرسة الصناعية، إلى جانب أننا كنا نشتغل في العطل، وهو ما وفر لنا مدخولا ماليا كافيا لمزاولة الهوايات، حتى أنه في إحدى المرات كان جارنا الباكستاني الذي يعمل في استوديو، قد عرض عليَّ تجربة وضع فيها الفيلم على الورق، وعرضها لضوء الشمس حتى انطبعت ملامح الصورة على الورقة، فأعجبت بالفكرة، وقمت بمحاولات لأطور آلية تحميض الأفلام، والتي كانت أقل كلفة من طباعتها في الاستوديو.

في العام 1965، أقام أخي عبدالكريم معرضا في نادي الشروق، الذي هو الآن نادي رأس رمان الثقافي أو نادي النجمة الرياضي، وكنت قد شاركت فيه ببعض الأعمال، وبعدها بدأت بالتوجه للعمل اليدوي في صناعة نماذج السفن، إذ كنت في وقتها قد بدأت العمل في مجال التدريس.

في العام 1980، انظممت لجمعية الفن المعاصر، وشاركت في أغلب معارض تلك الفترة، إلا أنني خرجت من الجمعية، وذلك بعد أن تكونت جماعة الخزف، الذين أسسوا جمعية الخزافين البحرينيين، وهي أول جمعية في الخليج والدول العربية تختص بالخزف، ومن خلالها أقمنا عدة معارض، إذ نحن بصدد إقامة معرض في يناير/ كانون الثاني 2009، وأنا بصدد تقديم أعمال في تجارب لتطوير اللون من خلال تقنية وتجربة خاصة بي من خلال مادتي الطين واللون.

* أين وصل مستوى الخزافين البحرينيين، هل هو في تطور أم لايزال يراوح محله؟

- المستوى جيد، لأن هناك كثرة في الفنانين، للبعض منهم طابع خاص، ولهم اجتهادات، وهناك متابعة للثقافة الفنية العالمية، فلو كان هناك توجهات عصرية حديثة في فن الخزف، ستجد أن هناك تقاربا وتطورا في مستوى الأعمال المقدمة من الفنان البحريني.

لقد توصلنا إلى تقديم أعمال تضاهي الأعمال العالمية، لكن ما يبرز الأعمال في الخارج هو التصوير والإخراج الذي يجعلها في صورة جذابة، أرى في أعمالنا البحرينية التميز والرقي، وهي تنم عن خبرة الفنان وتجربته التي قد تبرز الخزف في صورة وكأنما هو زجاج أو أية مادة أخرى من خلال معالجة الطينة، وكلما عايشها يضيف إليها ثقافة وتاريخ، فأنا حينما بدأت، كنت أعمل على العجلة، واستخدمت الأساليب التي كان الكثيرون يستخدمونها وعملت على تطويرها، إذ إنني في هذا الزمن لست مضطرا لأن أصنع «الحِب» التقليدي الذي يحفظ فيه الماء، لكن بالإمكان أن أضيف إلى شكل «الحِب» بعد أن تمكنت من شكل الآنية الاعتيادي بعد محاورات مع شكل الآنية لتطويرها.

* وكيف أثر تداخل التوجه العالمي للتجريد في العمل الخزفي؟

- العالم لم يعد يبحث عن الشكل المنمق المرتب، يمكن أن تكسر آنية وتنشر شظاياها في صورة جديدة لتمثل عملا وتغييرا شاملا للمعهود؛ أما الأشياء المرتبطة بالتراث، فالتراث كفيل بالحفاظ على نفسه، لكن الفنان يطور، ويأخذ من التراث لتصبح صياغته مقبولة، ونحن الآن في حاجة لأن نطور ما نقدمه أكثر من السابق.

* كيف كانت بداية تشكل جمعية الخزافين البحرينيين وفيم تنشط؟

- بدأت الجمعية كجماعة لإقامة معارض للخزافين، وانظم لها الأفراد، وأشهروا الجمعية في عهد وزير الإعلام طارق المؤيد، ومن أهم أنشطتنا تنظيم اليوم العائلي، الذي تستطيع فيه أية عائلة من أية جنسية الحضور للجمعية والاشتراك ضمن نشاط واحد في العمل على الطين وتنفيذ الأعمال الخزفية، كما أننا كنا نقيم مهرجانا في عالي نطرح فيه جانبا من الأشياء التراثية مثل الجرة وغيرها، وكل فنان يخرج بالموضوع في الشكل الذي يراه، إذ يبدأ البرنامج كزيارة للمنطقة التراثية، وعمل اسكتشات، وإقامة محاضرات ندعو لها مجموعة من الأعضاء والمدرسين، لكننا لم نواصل هذا المهرجان لأنه يحتاج إلى دعم مادي، في حين توقف عنا دعم وزارة الإعلام، إلا أننا استمررنا في إقامة دورات للأطفال والكبار، إلى جانب محاضرات للأعضاء، تشمل الأشياء الفنية وسرد لبعض التجارب الذاتية.

* وما هو الفرق بين العمل الفني والعمل المخصص للبيع التجاري؟

- الأعمال الخزفية ليست قطعة واحدة في الغالب، وننسخ العمل والتجربة لمن يرغب في الحصول على نسخة منه بطلبه، ولكن للعمل الخزفي بذاته، فإن الطينة التي تشتغل عليها بيديك تعطيك الإحساس، إلا أن العمل المكرر لا يعدو كونه قالبا وتصب في داخل الطين.

* حدثنا عن تأثير محيطك العائلي الفني، ودور شقيقيك في صقل موهبتك؟

- البداية كانت مع عبدالكريم، فكل يوم كان يقدم عملا جديدا، إذ كان يرسم على صناديق الشاي، ذات الألواح الخشبية الكبيرة، ووظف الكثير من الطرق، فهو يحظر لوحاته ولا يشتري الكانفيس الجاهز، كما كان يشتغل في الطباعة في جمعية البحرين للفن المعاصر.

وكان شقيقاي يتجولان في المناطق التي تحتوي أشياء تراثية أثرية، حتى محلات تربية الحيوانات، وكانا يرسمان أعمالهما الفنية مباشرة مما يشاهدانه، كلها أشياء تعطي في النفس الإحساس بالاهتمام تجاه ما يقدمانه، كل هذه الأمور التي كنت أتابعها في أخويَّ عبدالكريم وعبدالمنعم، إلى جانب تعلقي بالتصوير، ساهما في تشبعي بالروح الفنية، حتى أنني شاركتهما، وكنت أحضر معهما إلى جمعية البحرين للفن المعاصر، وأشاهد كيف كانت لهما أولوية أكثر، وفضل على الكثير من الفنانين الجدد في تقديم النصائح والتوجيهات، فما بالي وأنا الأقرب منهما الذي يرقب توجيهاتهما للآخرين، فكيف سيكون تأثيرهما عليّ ونحن في بيت واحد وأي شيء يمكن أن يراه الجميع لأبعد حد.

* هل يقدر الخزاف في البحرين بتحويل أعماله إلى نصب تذكارية؟ ومن هو مقتني العمل الخزفي في البحرين؟

- بعض الفنانين اختيرت لهم أعمال ليتم تحويلها إلى نصب، اشتغل أخي عبدالكريم مع نادي منطقة رأس رمان لعمل نصب للمنطقة، لكن المشكلة هي في المحسوبيات، وبالنسبة لاختيار الأعمال فالوزارة كانت تختار الأعمال لعرضها، أما البحرينيون فهم يقتنون الأعمال بشكل قليل إذ السوق تؤثر على الاقتناء، كما أن المتاجر تقدم أعمالا تجارية رخيصة لأنها نسخ، وصناعتها في بلدانها لا تكلف.

* أذكر لنا ما يجول في خاطرك من ذكريات منطقة رأس رمان القديمة، والتي أخرجت الكثير من الفنانين.

- لو افترضنا أن منطقة رأس رمان يسكنها 100 شخص، فـ 50 منهم فنانون، فرأس رمان هي المنشأ وبداية تكوين أفكارنا والمعاني الموجودة. في السابق كان يربطنا بين المحرق والمنامة الجسر، وكان بين هذه الجسور ما نسميه بالـ «دردور» وهي مناطق تسمح بمرور الماء بين الجسر، وهي غنية بالأسماك، إذ قمت بصناعة «لنجة» من برميل زيت حديد، وكنت أخرج من حيث تقع مدرسة رأس رمان إلى «الدردور» لاصطياد سمك الميد، حتى أنني جرحت في إحدى المرات من حديدة بارزة في تلك اللنجة جرحا غائرا، عولج برماد الفحم الذي كان يعتقد أنه نافع لتلك الحالات في ذلك الوقت.

من خلال تلك الأشياء، حينما كنا نذهب عند المسجد نشاهد القوارب الكبيرة راسية، كان هذا المكان ملاذا للعب وللدراسة أيضا، حتى أننا كنا نذهب بالسيارة إلى عراد في إحدى المناطق الزراعية للدراسة، وأحيانا عند القصر القديم جوار فندق الخليج، لنرمي الحصى في البحر، ونستذكر دروسنا على الأرض المزروعة.

في السابق حينما أن نقرأ، كنا نذهب للحديقة القريبة من السفارة البريطانية، التي كانت مضاءة، رغم أن منزلنا كان يحتوي الكهرباء آنذاك، إلا أن الحديقة كانت أكثر انفراجا للنفس وتوجها أكثر للدراسة بحضور الأصدقاء وتبادل الأسئلة، إلا أن الحراس كانوا يطردوننا من الحديقة عند الساعة 11 مساء كل ليلة لأن البقاء هناك في ذلك الوقت كان ممنوعا.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/23607.html