صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 2082 | الأحد 18 مايو 2008م الموافق 20 ربيع الاول 1441هـ

مسجد صعصعة بن صوحان

الكاتب: قاسم حسين - Kassim.Hussain@alwasatnews.com

لا أدري هل يُوجد قبر صحابي في البحرين غير قبر صعصعة بن صوحان العبْدي أم لا. لكن المؤكّد أنّ مزاره من أقدم الآثار الإسلامية في هذه الجزيرة على الإطلاق، بل إنه أقدم من مسجد الخميس التاريخي.

هذا الصحابي تميّز بالفصاحة والبلاغة، وصفه الإمام علي (ع) بالخطيب الشحشح، (البليغ)، وهو الوصف الذي اختاره محمّد جواد مرهون عنوانا لكتاب أصدره قبل عشرين عاما عن صعصعة، (ويشغل حاليا منصب رئيس مجلس أمناء صندوق النعيم الخيري).

ولد صعصعة في القطيف، قبل الهجرة النبوية، وكانت قبيلته عبدالقيس، تستوطن البحرين التاريخية، وكان أبوه سيّدا مُطاعا في قومه، وفي بعض الروايات أنّ السيّدة عائشة أم المؤمنين (رض) قالت عنه: «كان رأسا في الجاهلية وسيّدا في الإسلام».

مَنْ يقرأ عن صعصعة، سيكتشف أنه كان راويا للحديث، وفي أعقاب عصْر الفتنة الكبرى، نفاه المغيرة بن شعبة من الكوفة إلى البحرين بإيعاز من معاوية لمجادلات وقعت بينهما، ودفن في قرية «عسكر» سنة 60 هـ وله من العمر سبعون عاما، فأنت أمام جبلٍ من التاريخ القديم.

وعلى جاري عادة المسلمين في مختلف الأقطار، تم تشييد مسجد يحتضن قبر الصحابي صعصعة، فإضافة إلى قيمته المعنوية كمزار ديني، فإنّ له قيمة تاريخية كمسجد أثري قديم، ظلّ البحرينيون يُحافظون عليه عبر الأجيال ويزورونه بحْرا وبرا، تقديرا وإحياء لذكرى شخصية هذا الصحابي الجليل.

شخصيا أتيحت لي فرصة زيارته لأوّل مرة قبل شهرين، في أثناء زيارة مجلس إدارة الأوقاف الجعفرية لتفقد عددٍ من المساجد في سترة وعسكر، تنوي الأوقاف إعادة إعمارها. وهناك سرّني جدا أن التقي برجلٍ عجوز اسمه أحمد محمد البوعينين، أخذ يحدّثنا عن الزمن الجميل... زمن ما قبل صحوة الطوائف والمذاهب والقبائل والأفخاذ!

الرجل أخذ يعدّد لي أسماء معارفه من مختلف المناطق، حجي أحمد العريّض وحسن بن رجب (المنامة)، وحجي جاسم البصري (القريّة)، وعيسى الخياط، وحاج أحمد من الخميس. وأخذ يتحدّث بعفويةٍ تامةٍ ويسرد بعض الشعر العامي:

أهل الكرم والوفا يا ناس وين راحوا

ظلمت مجالسهم من عقب ما راحوا

وقبل أن التحق بالمرافقين في السيارة، أمسك بيدي ليريني شجرة معمرة، يقول إنهم كانوا يستخدمون أوراقها في التطبيب، ونزع بعض وريقاتها ودعكها بين أصابعه وقرّبها إلى أنفي لأشم رائحتها الزكية. وقال إنّ أمام المزار كانت هناك حديقة كبيرة مليئة بهذه الأشجار، لم يبقَ منها غير هذه الشجرة.

الرجل لم يكن يتصنّع، وإنّما كان يحكي ما بقلبه العامر بالصدق والمحبّة للناس. لم تصبه اللوثة الطائفية، فيفكّر بعقلية «هذا المسجد لكم وهذا المسجد لنا»، فإنّ المساجد كلّها لله، والطريق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق كما قال العارفون. وليس لأحدٍ، خطيب أو نائب أو كائن من كان، أن يدّعي احتكار الحق لنفسه ولقبيلته، أو الجنة لجماعته وجمعيته، ولو تُرك لمنع عن الآخرين الماء والهواء.

البوعينين، كان يستذكر الفوارق بين زمنين، حين تساءل:

«وين العجائز اللي يطبخون على الحطب وين راحوا

إن كان كلامي خطأ ردوا عليّ وإن كان صح ساعدوني».

ولكنه لم يدرِ أنه مسّ وترا حسّاسا في هذا الزمان.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/295485.html