صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 276 | الأحد 08 يونيو 2003م الموافق 08 محرم 1446هـ

تفجيرات الرياض...

هل من ردع أو تقويم للفكر المسئول عنها؟

الكاتب: خالد عبدالله - comments@alwasatnews.com

تناولت وسائل الاعلام المحلية خلال الأسبوعين الماضيين حوادث التفجيرات الإرهابية الأخيرة التي وقعت في مدينة الرياض بشكل مسهب ومفصل أطالت في الحديث عن منفذي ومرتكبي هذه الجرائم ومن يقف وراءهم والجهة التي أمدتهم ومولتهم بالمال والسلاح لتنفيذ هذه الأعمال المشينة. وتقدم الإعلام السعودي خطوة إلى الأمام حينما بدأ التلفزيون الرسمي في تناول هذا الحدث ومناقشة أبعاده حتى طاول مصادر الفكر والثقافة التي أمدت هؤلاء وغذتهم وربتهم فأوصلتهم في آخر المطاف إلى ما هم عليه من نفسية مليئة بالحقد والكراهية والتطرف والعنف اللامحدودين.

هذا الزخم الإعلامي وكثافة التغطية الصحافية التي قامت بها الوسائل الإعلامية المختلفة المقروءة منها والمرئية كشف الحقائق والمتغيرات التي يشهدها المجتمع السعودي منذ فترة ليست بالقصيرة على ما يبدو.

أبرز هذه المعطيات التي كشفت عن نفسها وبكل وضوح وصراحة بعد الحوادث المؤلمة الأخير هي في عمق الشرخ ومستوى الانفصام الذي تكرس ما بين التيار السلفي المتشدد والباسط بسيطرته ونفوذه على مختلف مراكز ومؤسسات الدولة والمجتمع الرسمية منها والأهلية وما بين سائر الفئات والتيارات الاجتماعية الأخرى.

انبرى المئات إن لم يكن الآلاف من ابرز الوجوه وألمع الكفاءات من الشخصيات السعودية السياسية والفكرية والأكاديمية وحتى الدينية المعتدلة منها، ضمن هذه الحملة الاعلامية المركزة في توجيه وحصر الاتهام لهذا المد الديني المتطرف، ولهذه الثقافة الغارقة في الغلو والتشدد والتي تميز بها اتباع هذا التيار والتي كانت سببا رئيسيا في تعبئة الآلاف ممن هم في عمر لا يتجاوز العشرين سنة ومن اصبح لديهم الاستعداد والقابلية للقيام بمثل ما قام به أقرانه من مجرمي حوادث الرياض، بل وارتكاب أفظع وأشنع من تلك التي رأيناها فيما لو طلب منهم ذلك.

والمراقب والمتابع من بعد لهذا الهجوم الاعلامي الكاسح والمنظم لفكر التطرف الديني ورموزه ومؤسساته حتى الرسمية منها يصل إلى نتيجة مفادها ان المجتمع المدني في السعودية كان يعيش حالا من الغضب المكبوت والرفض القاطع غير المعلن لكل ما له ارتباط فكري أو اجتماعي لهذا الخط الديني السلفي وكان يتحين وينتظر الوقت الملائم للتعبير عن هذه المشاعر والإفصاح عنها وبأقسى عبارات الذم والإدانة، ولما حانت هذه الفرصة بعدما شهدته البلاد من ابشع جرائم إرهابية في تاريخها وسبقها قبل ذلك بأسبوع إعلان الكشف عن أفراد إحدى مجموعات الإرهاب أو إحدى الخلايا النائمة على حد التعبير الإعلامي لم يتوان أحد ممن ذكرتهم قبل قليل من شخصيات المجتمع في تحديد الاتهام والقاء المسئولية بشكل مباشر على هذا التيار وعلى الفكر الذي يقف وراءه.

على من تقع المسئولية؟

والمؤسسة الدينية الرسمية التي هي جزء لا يتجزأ من هذا الفكر المتشدد وهذا المد الاجتماعي بل هي راعية وحامية له وأمدته بالمال والامكانات المادية اللازمة ولعقود طويلة من الزمن نظرا إلى ما تتمتع به هي من مزايا ومخصصات حكومية تفتقدها الكثير من الجهات المجتمعية الأخرى فأوصلته إلى ما هو عليه من القوة والامتداد والهيمنة الاجتماعية.

هذه المؤسسة هي المسئولة الأولى عما وصل إليه الوضع في الرابطة والعلاقة الاجتماعية ما بينها واتباعها وبين أبناء المجتمع كافة من تردي وانقطاع ومن ثم ضغينة وكراهية متبادلة.

وذلك نتيجة ممارساتها وقيامها ولسنين طويلة منذ بداية عهد الدولة السعودية الحديثة بتلك الوسائل والأساليب المقيتة والبغيضة في نظر الكثيرين من أبناء المجتمع على صعيد النشاط الدعوي والتبليغي، والتي تنم في حقيقة الأمر عن فهم مغلوط ومعكوس تماما لروح الإسلام وقيمه ومفاهيمه وبالخصوص ما يرتبط منها بمفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما رأيناه من تطبيقات لا تجلب إلا الضرر والتشويه للدين نفسه واقل ما يقال فيها إنها نابعة من تفسيرات واجتهادات خاطئة لا توافق عليها الأكثرية المسلمة.

وهناك الكثير من الأمثلة والشواهد لمثل هذه الأنشطة المنبوذة لا مجال لذكرها هنا، والتي تعكس ضيق الأفق في التفكير والمغالاة والتشدد في الالتزام الديني.

واما على الصعيد النظري والثقافي فقد كانت غالبية المفاهيم والرؤى إن لم يكن جميعها التي كانت تعمل هذه المؤسسة على بثها ونشرها في الوسط الاجتماعي بل والسعي إلى إلزام الناس بالتقيد بها وتطبيقها فقد كان لها اثر ودور لا يقل عن سابقه في إذكاء نار البغض ومن ثم الفراق ما بينها والوسط الاجتماعي الذي تعيش فيه.

وأوجز هنا بعض تلك المفاهيم التي فعلت فعلها في ترسيخ هذا الواقع وابدأها بأبسط نظرياتهم واقلها شأنا والمنطلقة من فهمهم القشري للدين، تجاه المنظر الخارجي للفرد المسلم المتدين ولما يجب أن يكون عليه ويلتزم به في ملبسه وحتى في نمط تشكيل وجهه أمام الآخرين. فالدين في نظرهم يأمر اتباعه الذكور بتقصير الثوب قدر الإمكان وأفضله الوصول إلى الركبتين، كما يأمرهم بإطلاق اللحى إلى ما لا نهاية ولو وصلت إلى السرة، وينهى عن تشذيبها وترتيبها. ولنا حينها أن نتصور منظر هذا الفرد الملتزم دينيا وانعكاس ذلك على قبول الآخرين له فضلا عن تقبلهم لنصائحه وتوجيهاته لهم من قبله.

ولكن أعظم المصائب الفكرية عندهم هي تلك العقدة وذلك البعبع المسمى بالبدعة التي أطرت توجههم وما تبعه من استفتاءات زائدة في التشدد في المسائل والأحكام وأصابتهم إلى حد الشلل في قدرتهم على الاجتهاد والتجديد لما يواكب تطورات الحياة العصرية ويلبي المطالب الإنسانية الملحة.

فأساس سلوكهم يقوم على الالتزام والتقيد الحرفي لما قام وعمل به السلف الصالح، وكل ما لم يكن موجودا في ذلك العصر فهو بدعة وحرام (وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة إلى النار). فالفنون الحديثة بمختلف فروعها من تمثيل ورسم وتصوير فوتوغرافي كلها منبوذة ومحرمة. واستخدام الآلات الحديثة مثل السيارة وجهاز التلفاز والنداء الآلي والحاسب وغيرها لم تصبح حلالا الا بحكم الضرورة وفرض الأمر الواقع، حتى العلوم والمعارف الإنسانية الجديدة هي بدعة يحرم تعلمها والاستفادة منها ما لم تتفق مع الدين وتخدم أهدافه.

واما نظرتهم تجاه المرأة ودورها في الحياة وتحمل مسئولياتها الاجتماعية بغض النظر عن دخولها وخوضها غمار العمل في الميدان السياسي فهي قاتمة السواد، ويكفينا للتدليل على ذلك نموذج حكم حركة «طالبان» الأفغانية وما اتخدته من مواقف بدائية ترجع إلى القرون الوسطى تجاه نصف المجتمع الآخر الأنثى.

فالمرأة وفق هذه المنظومة خلقت من أجل أن تعيش ضمن حدود المنزل في سبيل خدمة زوجها وتربية أبنائها (في أرقى تعبيرهم) ولا تخرج إلا لاضطرار التشافي والعلاج وإذا خرجت لغير ذلك فهي كلها فتن وشرور على المجتمع برمته.

واخيرا تصورهم ورؤيتهم تجاه التيارات والفلسفات الفكرية والمذهبية الأخرى في المجتمع على أساس الازدراء والاحتقار لها وبالتالي عدم أحقيتها في إبداء آرائها ومعتقداتها والعمل على منعها من ممارسة هذه المعتقدات وتطبيقها في الواقع الخارجي إذا لم تكن تتوافق كاملا مع مرتكزاتها الدينية والشرعية.

وتنطلق هذه الافكار من خلفية كونها الفرقة الإسلامية الوحيدة الناجية التي ورد ذكرها في الحديث النبوي الشريف والصحيح (تفترق أمتي اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار وواحدة ناجية). فكل الفرق والطوائف الاسلامية الأخرى طبقا لمفهومها يشوبها الزيغ والانحراف والضلالات في المعتقد والسلوك، لذلك ليس من الغرابة إذا وجدت هذه الحال من العدائية الشديدة ضد ابناء المذاهب السنية الأخرى كالشافعية والمالكية والاحناف وغيرها.

إصلاح الوضع سبيل البقاء

نتيجة لهذه التصورات والمفاهيم عاشت الحركة السلفية نوعا من العزلة والتقوقع الاجتماعي، على رغم الانتشار والكثرة العددية لمن ينتسب إلى فكرها إلا أنها ظلت في حال من الخصام والتنافر وعدم التسامح مع غيرها وهذا عامل ضعف لا قوة، وهي اليوم وعلى اثر الحوادث المروعة الأخيرة في بلادنا التي حمل اتباعها مسئولية جرم ارتكابها وتنفيذها فإنها تعيش عزلة اكبر واكثر مما مضى.

من هذا المنطلق ولعوامل كثيرة أهمها المستجدات والتطورات الإقليمية والتغير الكبير الحاصل في العراق وانعكاسه على الوضع الداخلي في المنطقة برمتها ومن اجل الحفاظ على قوة نشاطها وحركتها بل الابقاء على اصل وجودها وديمومتها لابد من اتخاذ قرارات حاسمة من قبلها في سبيل تصالحها مع مجتمعها ومد جسور العلاقة والتواصل مع كل الفئات المذهبية الثانية ومع عناصر المجتمع الأخرى الفاعلة لاسيما تلك التي تصنفها في خانة الليبرالية والحداثة وتجردها من انتمائها الديني.

وتستطيع رموز المؤسسة الدينية الرسمية أن تلعب دورا ايجابيا وفاعلا في ترشيد وتوجيه نشاطات وأساليب الكادر الديني المنخرط فيما لو أرادت وقررت ذلك لمراكز الدعوة التابعة لها والمساهمة في القضاء على مظاهر الغلو والتشدد التي لا تأتي الا بالضرر وسوء السمعة للمؤسسة نفسها


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/316145.html