صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 333 | الإثنين 04 أغسطس 2003م الموافق 19 ذي القعدة 1445هـ

ردا على مقال «الحب بين اليهود والرفاق»

حتى لا ينتحر جناحي في بحر لا يعرف العوم فيه

الكاتب: عبدالله العباسي - comments@alwasatnews.com

يقول الكاتب الإنجليزي الإيرلندي المولد برنارد شو: الانتحار الفكري هو أن يحاول أحدٌ العوم في بحر فلسفة من دون دراية بالعوم فيه فيغرق».

هذه العبارة ذكّرتني بمحمود حسن جناحي الذي قرأت مقالا له في «الوسط» تحت عنوان (حتى لا تنسى... الحب بين اليهود والرفاق)، فقد جاء المقال بمثابة انتحار حقيقي له إذ عام بالفعل في بحر أعمق من أن يمكنه العوم فيه.

وكنت قد قرأت له في السابق عددا من المقالات المعقولة فقلت في نفسي إنه على وشك أن يدخل في دنيا القلم كاتب جديد يضاف إلى الأقلام الواعدة ولم أتوقع أنه مثل ذلك الذي قال عنه برنارد شو ممن يعوم في بحر غير مهيىء له، فهذا ما فعله عندما كتب هذا المقال يهاجم فيه الأحزاب الشيوعية العربية من خلال الاعتماد على بعض العبارات المتناثرة التي جمعها من هنا وهناك إذ تضمنت بعض الإيحاءات بأن الشيوعية فلسفة قامت من خلال عقول يهودية من دون أي ربط أو حقائق تكشف أن الشيوعيين كانوا وراء إقامة الدولة اليهودية الحالية «إسرائيل» ومن دون وضوح من أن ما قاله أو فعله بعض الشيوعيين العرب مثل أمين سر الحزب الشيوعي السوري خالد بكداش وغيره ليجعله شاهد إثبات له ضد هؤلاء الذين سماهم الرفاق العرب كناية عن (الشيوعيين) الذين يتسمون (بالرفاق). أسئلة كثيرة تتبادر إلى الذهن منها: لماذا هذا التوقيت؟ ولماذا يريد أن يذكر الناس بهم؟ ولمصلحة من يتم طرح هذا الموضوع؟ وماذا يقصد بهذا الطرح؟

إن كل ما قاله وحاول الإتيان بمقتطفات من هنا وهناك لم يكن حجة له بل إن بعضه كان حجة عليه وبالتأكيد انه يحاول تشويه فئة هو غير متعمق في فلسفة أطروحاتها وكل ما استطاع أن يفعله هو أن يأتي بأرقام لا ندري إن كانت صحيحة أم مغلوطة ومن أين أتى بها؟ وهل من ألصق بهم تلك العبارات كان صادقا أم لا؟ فذكرني بجواب جحا حين سأله أحدهم أين منتصف العالم؟ فأجابه من دون تردد «إنه مكان ما يقف حماري»، فلما رد عليه الآخر كيف عرفت؟ أجاب: اذهب وقس بنفسك... فهو يعلم أنه لا أحد يستطيع أن يقيس العالم في ذلك الوقت.

استطاع الأستاذ محمود بهذه الأرقام أن يوضح أن الفكر الشيوعي والفلسفة الشيوعية كان الذين وراء وضعها والمنادين بها غالبيتهم من (اليهود) ونسي في زحمة جهوده أن اليهود صنف من البشر مهما كرهناهم بسبب موقف دولتهم الظالمة فانهم بشر وان طغيانهم هذا ربما جاء أيضا من منطلق ديني بأنهم ( شعب الله المختار) مما ظنوا أن هذا الشعب المختار يحق أن يبني دولته على جماجم الشعب العربي وعلى الاستيلاء والنهب والسلب لأراضي شعب عربي يعيش منذ آلاف السنين في المنطقة بسلام.

إن «إسرائيل» وقيادة «إسرائيل» لا تمثلان كل الفكر اليهودي، فليس كلهم موقفهم مؤيد لارييل شارون أو انهم قبل تكوين «إسرائيل» بمئات السنين كانوا ينوون الشر. فهناك عناصر تقف على المكشوف ضد تطرف شارون وأمثاله وهم يقفون خصما عنيدا ضد هذه التجاوزات الظالمة، فاليهود مثل المسيحيين بل مثل المسلمين فيهم الطيب والرديء، ألم يكن صدام حسين مسلما وعربيا، فماذا فعل في شعبه خلال ثلاثة عقود ونصف العقد من حكمه؟

وصدام كما تعلم لم يكن شيوعيا بل كان محسوبا على الفكر القومي بل في الأيام الأخيرة في أعقاب الحرب العراقية الإيرانية ادعى أنه من سلالة الرسول، سيد هذه الأمة محمد (ص).

قد يعاب على الاتحاد السوفياتي أثناء وجود الشيوعيين في الحكم اعترافهم بـ «إسرائيل» لكن هذا لا يعني أن الاتحاد السوفياتي دعم كل طغيان وجرائم «إسرائيل» كما تفعل الولايات المتحدة اليوم؟

النظام الشيوعي في الاتحاد السوفياتي هو الذي وقف مع مصر ودعمها بكل ما تريد من أسلحة للوقوف في وجه العدوان الإسرائيلي في الوقت الذي كانت بريطانيا والولايات المتحدة تدعمان «إسرائيل» والكل يعلم أن استمرارية بقاء هذا الكيان متوقفة على الدعم الاميركي، فلماذا التبرع بدلا من الأميركان أنفسهم بتشويه الشيوعيين العرب وكأنك بذلك تقول: (يا عالم لا تلوموا الأميركان فحسب... فالشيوعيون ملامون أيضا)، وكما يقول الاخوة المصريون (إيش جاب لجاب) فالفرق شاسع بين الاثنين، فكل عاقل يفهم في السياسة والفكر ويقرأ التاريخ أن انتصارات أكتوبر جاءت بسلاح سوفياتي، وأن هذا السلاح كان يمكن أن ينتصر به الجيش المصري في العام 1967 لولا خيانة بعض قادة الجيش وخصوصا سلاح الطيران الذي جعل السماء مكشوفة تماما مع علم قيادته بأنه على وشك قيام حرب بين ساعة وأخرى.

عيب بعض الإسلاميين أو المتدينين مثل كاتبنا محمود جناحي أنهم يحقدون على نظرية أقرب إلى الإسلام منها إلى بقية النظريات في العالم مثل النظام الرأسمالي.

فلو تعمقوا في الفلسفة الشيوعية التي بنيت على أساس ضرورة توزيع الدخل العادل على الجميع ومن منطلق (عجبت لامرئ بات جوعانا ولم يشهر سيفه) أو من منطلق (عجبت لامرئ بات شبعانا وجاره جائع) أو من خلال التمعن في جعل الزكاة ركنا من أركان الإسلام ولماذا خالف الخليفة أبو بكر الصديق كل أصحابه وحارب الذين ارتدوا عن دفع الزكاة بعد وفاة الرسول (ص)، لأدركوا أن هذه النظرية مستمدة أصلا من الإسلام.

وإذا كانت الإمبريالية والدول الاستعمارية التي سيطرت لمئات السنين على المنطقة، تمكنت من غسل مخ المسلمين إلى درجة أن استغلتهم الولايات المتحدة لمحاربة الاتحاد السوفياتي فحاربوا بأموالهم وأجسادهم وبتشجيع اميركي تحت شعار محاربة الإلحاد الشيوعي إذ استغلهم الأميركان أسوأ استغلال لإضعاف خصم كان يخاف هو أن يحاربه، فإنه وبعد كل ما حدث علينا أن نعيد قراءة النظريات حتى لا نواصل مسيرة الخطأ.

ألم يمر بضع سنوات حتى تحول الأميركان إلى خصم لا يريدون فقط إسقاط طالبان في أفغانستان بل يريدون القضاء على الوجود الإسلامي؟

فما رأي الأستاذ جناحي في من أكثر عداوة للإسلام، الشيوعيون الذين هم أنصار السلام الإسرائيلي والذين يتظاهرون كل يوم لمنع التجاوزات على الشعب الفلسطيني أم الأميركان والفكر الرأسمالي؟

حاول الاوروبيون الرأسماليون تشويه الاتحاد السوفياتي وكانوا يمررون أكاذيب ضدهم خوفا من إفساح المجال لهم للوصول إلى منطقة الخليج. ومن بين ما كان يروج عنهم أن الشيوعي في روسيا يتزوج حتى أخته واتضح لنا فيما بعد أنهم يتحاشون الزواج حتى من بنات عمومتهم.

ويقال ان أحد أعضاء حزب توده الإيراني المعروف انه اخذ ابنه الصغير معه إلى السوق ليشتري له بعض الأدوات المدرسية وكان ذلك أيام الشاه إذ كانوا يشوهونهم مثلما يحاول اليوم الأستاذ جناحي تشويههم أحسّ الوالد أن ابنه الصغير يتعمد أن يمشي خلفه فسأله والده لماذا تتأخر عني؟ تعال سر بجانبي ولما تكرر من الصغير ذلك ألحّ عليه والده أن يذكر له سبب ما يفعل، فما كان من هذا التلميذ إلا أن قال له إن مدرسنا يقول إن أعضاء حزب توده لهم ذيول وسمعت أنك واحد منهم لكني لا أجد لك ذيلا، لماذا؟

هكذا كانوا يشوهون الفكر الشيوعي والمنتمين إلى الأحزاب الاشتراكية، ونحمد الله على كل حال أن الناس ما عادوا يخافون من هذا الاسم ولا يتأثرون بالدعايات.

ولأن الاسم كان فيه شيء من الهالة بدأت هذه الأحزاب تغير من شكلها وأسمائها وصارت أكثر واقعية في أطروحاتها فهي تسمى اليوم في أوروبا الشرقية (أحزاب اشتراكية)، وهي لم تعد تؤمن بالتغيير بالعنف بل إن لينين نفسه أكد أنه يمكن تغيير بعض الأنظمة من خلال البرلمانات والدليل على أن الأحزاب الاشتراكية العربية التي يسميها جناحي بالشيوعية كانت تضم في معظمها عناصر لم تتخلّ عن جذورها الإسلامية وإيمانها بالله ولم تشارك في أي عنف، إن قائد سلاح الفرسان في الجيش المصري عضو مجلس قيادة ثورة 23 يوليو/تموز خالد محيي الدين وكان عضوا في حزب (حدتو) حركة التحرر الوطني المصرية بل كان أمين سر هذا الحزب الشيوعي المصري آنذاك، كان يترك اجتماع الخلية إذا سمع الأذان ليصلي ثم يعود إلى اجتماعه، ثم إن إعادة الحديث عن الشيوعيين وفي زمن لا يستدعي إعادة الحديث عنهم ما قد يحرج قطاعا واسعا من الشعب البحريني يبدو أنه يراد منه تشويه جبهة التحرير الوطني البحرينية التي تأسست في العام 1954 لمواجهة الإنجليز ولتصحيح مسار النظام البحريني بشكل سلمي إنه أمر يثير التساؤل والحيرة، لأنه حديث غير مناسب لا في الزمان ولا في المكان إلا إذا أريد به تخفيف الثقل عن الأميركان.

وإذا كان البعض آمن منهم بالفكر الماركسي بكل حسناته وكل عيوبه بنظرياته الاقتصادية والمادية، فإن هذه الجبهة ضمت شرائح عريضة من بسطاء البحرينيين الذين ناضلوا من أجل تحسين أوضاع وحقوق الشعب المشروعة من دون أي ارتباط أيديولوجي بها إلا من خلال العمل الوطني.

ولكي لا أبني آرائي على ما كتبه جناحي من فراغ وهو الذي بذل جهدا كبيرا في جمع بعض النصوص وبعض الأمثلة للاستدلال بها على أن الفكر الشيوعي هو نتاج العقل اليهودي في العالم أذكر أن النصوص التي أتى بها تكشف فقط أن اليهود دعموا أو شاركوا في قيام هذه النظرية مستدلا بأن لينين وماركس من أصول يهودية لكنه لم يأت بما يؤكد عداءهم لا للإسلام ولا للأمة العربية.

لنقرأ هذه العبارة التي يستشهد بها جناحي على أن الشيوعيين العراقيين مع اليهود لنعرف أنه على رغم محاولته الحصول على أكثر العبارات إساءة للرفاق الشيوعيين العراقيين فانه لم يوفق حين قال: (وأصدر الشيوعيون العراقيون كتابا باسم «أضواء على القضية الفلسطينية» ينتهي بهذه الجملة «فلتسقط الحرب بين العرب واليهود في فلسطين... فليحيا التعاون والتحالف بين الوطنيين والديمقراطيين العرب واليهود لإحباط خطط الاستعمار والرجعية ولتحيا الصداقة العربية اليهودية»).

ترى إن القارئ الواعي هل يرى في هذه الكلمات حجة لجناحي وأن الشيوعيين العراقيين ضد الشعب الفلسطيني أم معه؟ هل يتمنون زوال الشعب الفلسطيني أم التعايش في سلام ومحبة معا، وهذا الكلام طبعا جاء قبل هذا التوسع الإسرائيلي على حساب الشعب الفلسطيني، أليس ما يجري اليوم بين اليهود والعرب يراد منه مصلحة الاستعمار الاميركي الجديد؟ ألا نطالب نحن اليوم بالتعايش معا في سلام وترفض حكومة شارون ذلك؟ ألا يطالب الشيوعيون الإسرائيليون من أنصار السلام أنفسهم بأن تكف حكومتهم عن اعتداءاتها وطغيانها؟ أليس عزمي بشارة وأمثاله يعرضون أنفسهم للإساءة والمضايقة من قبل الحكومة الإسرائيلية وهم يتحدونها داخل وخارج (الكنيست) الإسرائيلي من أجل وضع حدٍ لهذا العنف والتعايش السلمي بين الشعبين؟ فلماذا يحاول كل متدين أو منتم إلى جمعية دينية الإساءة إلى الفكر الاشتراكي لتشويه المنتمين إليه مع أنه ليس هناك منتم حقيقي لهم وخصوصا في البلاد العربية فكلهم جذورهم إسلامية ويدافعون عن تجاوزات الأميركان ضد الإسلاميين بأكثر شراسة منهم أنفسهم لأنه يسمح لهم بذلك وخصوصا أنهم ليسوا محل خوف الأنظمة العربية اليوم التي تأتمر بأوامر الإدارة الأميركية للانقضاض على أي واحد ممن يطلقون لحاهم من دون حساب؟

وحين يحاول الإساءة إلى حزب حدتو المصري ويسيء إلى قيادته فيتهمهم بأنهم يدعون إلى «الإخاء العربي اليهودي والصلح مع إسرائيل» ترى ألا يدعو الجميع اليوم إلى ضرورة الإخاء بين الطرفين؟ ألا نتمنى أن ينتهي العنف الإسرائيلي وتعيش الأطراف المختلفة في سلام في زمن الضعف العربي والطغيان الأميركي.

ثم إن جناحي يغالط نفسه حين يتهمهم بانتماءاتهم إلى لماسونية، نعم يقال إن المحافل الماسونية لها ارتباط بالصهيونية، لكنه مما لا يخفى على أحد أن البرجوازية الكبيرة والطبقات الارستقراطية هي التي تقيم أندية الروتاري وغيرها في العالم، فأين الفقراء والعمال والفلاحون الذين تتكون منهم هذه الأحزاب من هؤلاء العناصر الثرية التي تنتشر محافلهم وأنديتهم في الغرب والعالم العربي، فلماذا خلط الأوراق هكذا؟

قد يكون اليهود شاركوا في قيام الأحزاب الشيوعية وشاركوا بخبث لخدمة أغراضهم لكن السؤال: هل انجرفت هذه الأحزاب مع ما كان يتم التخطيط له مما جاء في كتاب حكماء صهيون من السيطرة على شتى الوسائل، لقد نجحوا في الولايات المتحدة في السيطرة عليها على رغم أنهم حتى بدايات القرن الماضي كانوا ضعافا وأذلاء حتى في الولايات المتحدة نفسها إذ لم تكن الجامعات الأميركية المعروفة تقبل اليهود فيها، ولكنهم تمكنوا في النهاية من التغلغل حتى بلغوا في السيطرة على الكونغرس الأميركي والمشاركة في إنجاح أو إسقاط الرئيس الذي يريدون أو لا يريدون، ولهذا فإن الشعب الفلسطيني يعيش في وضعه المأسوي لأن بوش يعتقد أنه نجح بأصوات اليهود.

هل نسي العرب كيف أن الصين الشعبية الشيوعية فتحت كل مخازن السلاح للفلسطينيين بشهادة رئيس منظمة التحرير السابق أحمد الشقيري لكي يحاربوا الإسرائيليين من دون مقابل، ثم ترى لو أن الاتحاد السوفياتي في قوته مثل أيام خورتشوف وكوسجين هل كان يترك المجال لأن يفعل شارون ما يريد ويمكن للولايات المتحدة أن تقف مع العنف الإسرائيلي من دون حساب؟

كم أتمنى من الزميل محمود حسن جناحي أن يستمر في كتابة مقالاته الرصينة من دون أن يغرق نفسه في بحر لم يحاول العوم فيه من قبل، حتى لا يصل إلى درجة الانتحار كما قال برنارد شو، ولكي لا يبعد أنظار العالم عن جرائم الولايات المتحدة وأوروبا في دعمهم لـ «إسرائيل».

كاتب بحريني


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/329310.html